ما كان عليه الأرقاء في عصر المسيح من الظلم والاضطهاد. يقول (بطرس) :
في رسالته الأولى (2: 18) أيها الخدام كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة، ليس
للصالحين المترفقين فقط، بل للعنفاء أيضا؛ لأن هذا فضل إن كان أحد من أجل
ضمير نحو الله؛ يحتمل أحزانا متألما بالظلم؛ لأنه أي مجد إن كنتم تلطمون
مخطئين فتصبرون، بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون، فهذا فضل عند
الله، لأنكم لهذا دعيتم) وقال (بولس) في رسالته إلى أهل أفسس (6: 5 أيها
العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم للمسيح) إلخ
وفي رسالته إلى أهل كولوسي (3: 22 أيها العبيد أطيعوا في كل شيء سادتكم حسب
الجسد لا بخدمة العين؛ كمن يرضي الناس، بل ببساطة القلب خائفين الرب)
وغاية ما أمر به السادة أن يقدموا للعبيد العدل والمساواة، فلا يفضلوا بعضهم على
بعض. فأين هذا من أمر الإسلام بالمساواة بينهم وبين السادة أنفسهم؟ وبجعل
الطاعة في المعروف لا في كل شيء؟ وقد نص الإسلام على كون الطاعة لا
تكون إلا بالمعروف، حتى للنبي صلى الله عليه وسلم. ففي آية المبايعة {ولا
يعصينك في معروف} (الممتحنة: 12) ، وهو صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا
بالمعروف؛ كما وصفه تعالى في قوله ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ (الأعراف: 157) .
وجملة القول: إن الإسلام أجاز الرق ولم يأمر به. ولكنه أمر بالعتق
والتحرير. وأن الديانتين اليهودية والنصرانية أجازتا الرق أيضا، ولم يرد فيهما من
الأمر بالعتق، وتحرير الرقيق، ولا بحسن معاملته ما دام موجودا، بمثل ما أمر به
الإسلام. فإذا سهل على الدول النصرانية إبطال الرق، ولم يمنعها الدين فهو على
المسلمين أسهل؛ لأن الدين لا يكتفي بعدم منعهم منه، بل يحثهم عليه. فدينهم أقرب
إلى هذه الفضيلة المدنية من جميع الأديان؛ فلا خوف عليها منه، وإنما الخوف على
كل فضيلة من الحكام الظالمين الذين يسيئون التصرف بالشرائع والقوانين.
(3)
علاقة النساء بالرجال
جاء الإسلام وجميع الأمم تهضم حقوق النساء على تفاوت بينها في ذلك، فكان
أكثر الرجال يعدون المرأة كالأمة أو المتاع. ومذهب علماء الاجتماع أن الناس
كانوا في أمر الزواج كالبهائم في أطوارها المختلفة، فكانوا أولا يبيحون كل أنثى
لكل رجل، وكان أول الاختصاص بزوجة أو زوجات، بالسبي واحتكار القوي
من تعجبه من النساء، واستئثاره بها وعدم السماح لغيره بملامستها، إلا أن يكون
ذلك بإذنه، ولا يزال في البشر من لا يرى بمثل هذا الإذن بأسا. ولما صار للزواج
روابط وأحكام دينية أو عرفية، قيدت المرأة فيها بقيود لا ترفعها عن مرتبة الأمة عند
الأكثرين، وبقي في تقاليد كثير من الشعوب والقبائل ما يدل على أصل السبي
وخطف المرأة، وكان كثير من الرجال يتزوجون بنساء كثيرات، لا يتقيدون بعدد،
ويطلقون من شاءوا متى شاءوا، بلا تأثم ولا حرج، وما جاء في اليهودية
والنصرانية من الأحكام والوصايا، لم يرفع قدر المرأة، ولم يقربها من مساواة
الرجل في الحقوق والاستقلال بشؤونها، وقصارى ما تفاخرنا فيه النصرانية منع
تعدد الزوجات، وتحريم الطلاق إلا بعلة الزنا.
أما الإسلام فقد جاء بإصلاح لم يسبق إليه، ولم تبلغ كنهه أوربا في مدنيتها
حتى اليوم. إذ لا تزال تحجر على المرأة أن تتصرف حتى بمالها بدون إذن
الزوج، ويرجع هذا الإصلاح إلى آيات من الكتاب العزيز:
(إحداها) قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا
إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (الروم: 21)
وعلى هذه الآيات بنينا مقالات الحياة الزوجية التي نشرناها في المجلد الثامن،
وتكلمنا فيها عن الطلاق وتعدد الزوجات.
(الآية الثانية) قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى
أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} (النساء: 19) .