ذلك العام لا هو ولا أحد من أصحابه إلا عائشة؛ أمر أخاها أن يعمرها من التنعيم
أدنى الحل.
وكذلك الأحاديث الصحيحة عنه فيها أنه لم يطف بالصفا والمروة إلا مرة واحدة مع طوافه الأول، فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا؛ لأنه أفرد
أعمال الحج لم يقرن بها عمل العمرة، كما يتوهم من يقول: إن القارن يطوف
طوافين، ويسعى سعيين. ولم يتمتع تمتعا حل به من إحرامه، كما يفعله المتمتع
الذي لم يسبق الهدي، بل قد أمر جميع أصحابه الذين يسوقوا الهدي أن يحلوا من
إحرامهم ويجعلوها عمرة، ويهلوا بالحج بعد قضاء عمرتهم.
-----------------
<span class="footnote">
(1) لعل المراد بالشيء الذي يكره ما لا يخالف الشريعة؛ لأنه جاء في أحاديث كثيرة أن الطاعة في المعروف وعلى ذلك بايعوه وهو المعصوم، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
منافع الأوربيين ومضارهم في الشرق
الاستبداد
(3)
الفائدة الثانية
الخروج من الاستبداد
أتى على الشرق حين من الدهر كان يعبد فيه الملوك عبادة حقيقية، ويسميهم
آلهة، ويدعوهم أربابا، وهو لم يسلم من هذا الاعتقاد سلامة تامة عامة إلى اليوم، ثم
ارتقى بعض شعوبه إلى الاعتقاد بأن الملوك ليسوا آلهة خالقين، ولكنهم أصحاب
سلطة إلهية وسيادة ربانية تجب طاعتهم عدلوا أو ظلموا، وتقديسهم أساءوا أو
أحسنوا، ثم جاء الإسلام بإصلاح جديد، فجعل أمر المؤمنين شورى بينهم، وأمر
أصحاب الرأي السديد والمعرفة بالمصالح العامة واجب الامتثال في سياسة الأمة
وإدارتها، حتى لا يطمع فرد من الأفراد بالاستئثار بالسلطة والاستبداد بالأمر.
وجرى النبي - صلى الله عليه وسلم - في سياستهم على هذه القاعدة، فكان يقدم
رأي أصحاب الرأي المعبرعنهم بأولي الأمر على رأيه كما فعل يوم أحد؛ إذ كان
صرح بأنه لا يرى الخروج إلى حرب قريش، حتى تصل إلى المدينة. ورأى
أصحابه الخروج فعمل برأيهم، وكما فعل يوم بدر، والأحاديث في ذلك كثيرة
شهيرة. ولكن الشرق لم يكن تم استعداده لهذا الإصلاح الأعلى؛ لما بيناه في مقال
(طبيعة الاجتماع في الحاكمين والمحكومين) ؛ لذلك تسنى لبني أمية أن يعبثوا به،
ويزيلوه في زمن قريب.
ولي أبو بكر - رضي الله عنه - أمر المسلمين بعد رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فخطب الناس، وقال: وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت
فأعينوني، وإذا زغت فقومني.
وولي عمر رضي الله عنه فقال نحو ذلك في خطبته. ومن المشهور المستفيض
على الألسنة؛ أنه لما قال على المنبر: من رأى منكم في عوجا فليقومه.
قام رجل فقال: لو رأينا فيك عوجا لقومناه بسيوفنا، فقال: الحمد لله الذي جعل في
المسلمين من يقوم عوج عمر بسيفه.
ومما روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال على المنبر: أمري لأمركم
تبع، وقال في أول خطبة خطبها بعد أن ولي الخلافة: ألا وإن لكم علي بعد
كتاب الله - عز وجل - وسنة نبيه ثلاثا: (اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه
وسننتم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف عنكم إلا فيما
استوجبتم) .
فانظر كيف قيد اتباع من كان قبله بكونه فيما اجتمعوا عليه وسنوه، فهو دليل
وراء الأدلة العملية على أن أبا بكر وعمر كانا يأخذان برأي الأمة فيما لم يرد به
الكتاب ولم تمض به السنة، وتأمل قوله: (فيما لم تسنوا عن ملأ) ، والملأ:
الجماعة من أهل الرأي والمكانة في الأمة، وهم بمعنى النواب.
أما سيرة علي - كرم الله وجهه ورضي عنه - فهي على تلك السنة، ما غير
ولا بدل، ولا رغب في الدنيا، ولا جنح إلى زخرفها. ولكن نزا عليه بنو أمية
أعداء بني هاشم في الجاهلية والإسلام، وكان من أمرهم ما كان، ولا محل لشرحه
في هذا التمهيد.
وإنما غرضنا أن نقول: إنهم استبدوا عملا، وما عتموا أن جهروا بالخروج عن