المجلد رقم (10)
المحرم - 1325ه
مارس - 1907م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
فاتحة السنة العاشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم أنبيائه، وعلى
آله وصحبه، وأهل وداده وقربه، وعلى كل عبد مصطفى من جميع الورى، أما
بعد: فإن المنار قد دخل بهذا الجزء في سنته العاشرة، فقطع مرحلة الأعداد المفردة،
ووقف بباب الأعداد المركبة، فكان نموه، وثباته، وتغذيه بما يحفظ عليه حياته،
وقوته على دفع عوارض العلل التي تواثبه، ومقاواته لما يناهضه ويناصبه؛ آيات
بينات على أنه كائن حي، يرجى أن يبلغ منتهى العمر الطبيعي، الذي يكون لمثله
بالاستعداد الموهوب والمكسوب، وتوفيق الله المطلوب، وبإسعاد محبي الإصلاح
الذي يدعو إليه، والحق الذي يناضل دونه، وما إسعادهم إلا الدعوة به وإليه،
والنصيحة له، والدفاع عنه، فالدعوة حياة المذاهب في الفلسفة، والسياسات،
والأديان، وكل ما يرتقي به شأن هذا الإنسان، {سنة الله في الذين خلوا من قبل
وكان أمر الله قدرا مقدورا} (الأحزاب: 38) .
المنار يدعو جميع المسلمين بكتاب الله إلى سعادة الدارين: بتقويم فطرة الله،
ومعرفة سنن الله، وينهاهم به عن التفرق في الدين، ويأمرهم بالاعتصام بحبله
المتين، فالدين والفطرة صنوان، والشريعة والطبيعة شقيقتان، فمنزل القرآن، هو
منزل الفرقان والميزان، وواضع الشريعة هو خالق الطبيعة؛ فالقرآن هداية
وعرفان، وعروج بالأرواح إلى الروح والريحان، بالعبودية المؤدية إلى رضا
الرحمن، والانتهاء باضطراب أمواج النزعات البشرية إلى مستقر السكينة
والاطمئنان، {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون
الصالحات أن لهم أجرا كبيرا} (الإسراء: 9) .
والفرقان عقل يفرق بين الحق والأباطيل، ويدرك أسرار الخليقة وفقه التنزيل،
فهو المخاطب بإقامة الشريعة، وهو المطالب بالتصرف في الطبيعة، فيأخذ منها
بقدر اجتهاده، على حسب استعداده، والميزان عدل عام، في الأخلاق والأفكار
والأحكام، به ينفذ حكم القرآن والفرقان، حتى يلتئم شمل الإنسان؛ فيعطي كل ذي
حق حقه، ويوفي كل ذي قسط قسطه، وإن لربه عليه حقا، ولنفسه عليه
حقا، ولزوجه عليه حقا، ولأهله عليه حقا، ولقومه عليه حقا، ولأمته عليه حقا،
ولمجموع الناس عليه حقا، فالقرآن يهدي إلى الحقوق ويبين، والفرقان يفرق
بين المتشابهات ويعين، وإنما القسمة بالميزان، وبالثلاثة تكمل فطرة الديان،
فالقرآن كتاب مسطور، وضياء ونور، وبالفرقان نقرأ وندرس، ونجتلي ونقبس،
وبالميزان نعمل بالعلم، ونقوم بالقسط، ومن شذ عن هذه الثلاثة فلم يهتد بالنقل
والعقل، ولم يخضع لسلطان العدل، فقد أنزل الله لعلاجه الحديد، الجامع بين
المنافع والبأس الشديد، فيؤدب بقوة السلاح، حتى يستقيم أمر الإصلاح {ولا
تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا
يسرف في القتل إنه كان منصورا} (الإسراء: 33) .
{الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين
يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا
بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام} (آل عمران: 1-4) {لقد أرسلنا
رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه
بأس شديد ومنافع للناس} (الحديد: 25) ؛ فهذا بيان للناس؛ بأن بناء معاشهم،
ومعادهم، يقوم على أربعة أركان: الكتاب، والعقل، والعدل، والقوة، وهي
هي القرآن والفرقان، والميزان، والحديد. وقد هدم التقليد الأربعة الأركان، استبدل
بها قول فلان وفلان، أسماء سماها المقلدون هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان.