تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى أي شيء أنت يا مصر أحوج

للقطر المصري في هذا العصر حال لا يشاركه فيها قطر آخر من أقطار

الأرض، وهذه الحال مفيدة له من وجه، وخطر على أهله من وجه آخر، فيجب

أن يعرفوا كيف يجتنون الفوائد من الوجه الأول، ويجتنبون الغوائل من الوجه

الثاني.

الحال التي انفرد بها، هي أن جميع الأمم الراقية تنازع أهله الحياة في

المعاش أو الاقتصاد كما يقال، وفي الاجتماع والآداب، وما من أمة منها إلا وهي

أرقى من أهله في العلوم والأعمال، ولها من الحقوق فيه أكثر مما لهم، فالقوانين

المصرية تبيح للأجانب أن يملكوا من البلاد كل ما يملكه الوطني، وأن ينشروا فيها

لغاتهم، وأديانهم، ومذاهبهم، ويأتوا بعاداتهم وتقاليدهم، كما يفعل الوطني، ولكن

الحكومة المصرية ليس لها من المراقبة والسلطان على الأجنبي مثل ما لها على

الوطني، فالأجنبي أوسع حرية، وأكثر استقلالا في أعماله كلها.

أما وجه الفائدة من هذه الحال، فهو أن الأوروبيين في مجموعهم مدرسة

جامعة في البلاد، تعلم أهلها من الأعمال المالية بأنواعها، والاجتماعية، والأدبية ما

لم يكونوا يعلمون، وتعليم العمل أقرب إلى النفع من تعليم العلم؛ إذ العمل مقصد

والعلم وسيلة إليه في الغالب، فكل عامل ينفع البلاد ويرقيها، وما كل عالم ينفع،

وما علينا - والمدرسة العملية مفتحة الأبواب، ودروسها مبذولة في كل مدينة وقرية

لكل من له عين تبصر، وأذن تسمع، وعقل يدرك، وقلب يتأثر - إلا أن

نتعلم كيف نكتسب، وكيف نقتصد، وكيف نؤسس الشركات، وكيف نؤلف

الجمعيات، وكيف نحافظ على الآداب والعادات، وكيف نقيم بناء وحدتنا الجنسية،

وكيف ندعو إلى عقائدنا وآدابنا الدينية، وكيف نوزع هذه الأعمال على أصناف

العاملين، وكيف نكون مع هذا التوزيع متعاونين متكافلين.

وأما وجه الخطر فهو أجلى وأظهر، فإن ضعيفا ينازع الأقوياء الحياة،

يوشك أن ينزعوه. وواهنا يصارع الأشداء يقرب أن يصرعوه، وإذا كان في

الأمثال المسلمة (ضعيفان يغلبان قويا) فما بالك بعدة أقوياء يغالبون ضعيفا واحدا،

ألا يكون الخطر عليه شديدا؟ بلى إنه يخشى أن تنزع هذه الشركات الأجنبية

والمصارف (البنوك) ؛ أكثر ما في أيدي المصريين من أرض مصر، حتى يكون

أكثرهم فيها أجراء، لا رزق لهم إلا ما يفيضه المالك الجديد عليهم من أجور أعمالهم

من الحرث والخدمة، ويكون الكثيرون منهم عالة، لا يجدون من جود الأغنياء ما

يسد رمقهم، ويفنى الباقون في الغالبين بالتقليد والمحاكاة، يومئذ (لا كان يومئذ) لا

يستطيع أن يقول المصري: هذه بلادي، فأنا أولى وأحق بأن أتولى أحكامها بنفسي،

وأدير نظامها بيدي.

إنما يخشى أن يسرع هذا الخطر المادي، إذا شايعه الخطر المعنوي، وأمده

في سيره وهو التهاون في أمر مقومات الأمة ومشخصاتها من الدين واللغة والآداب

والعادات الحسنة، بل أقول: لا يمكن لأمة أن تحفظ كونها إلا بالمحافظة

على عاداتها، وإن كانت غير حسنة ولا قبيحة، وأن تتروى في القبيح منها،

فتدعو إلى تركه إن تحقق قبحه بالتدريج، واستبدال النافع بالضار، ولا حسن في

عادات الأمم إلا النافع، ولا قبيح إلا الضار. ألم تروا أن أعز الأمم وأوسعها

سلطانا، هي أشد الأمم محافظة على العادات والتقاليد المشخصة لها، وإن كان

غيرها خيرا منها. ألم تعلموا أن أكثر الأمم الأوروبية قد استنفدت حيلتها، بعد ما

استنفرت بلاغتها وفصاحتها في محاولة إقناع الإنكليز باستبدال المقياس العشري

(المتر) بمقاييسهم (اليرد) بل بتوحيد المقاييس، وناهيكم بفوائده فلم يزد ذلك

الإنكليز إلا محافظة وثباتا على ما درجوا عليه. ألم يأتكم نبأ ما كان لاستبدال

إسماعيل باشا الخديو، التاريخ المسيحي بالتاريخ الهجري من الفرح والسرور في

أوروبا. قيل: إن ذلك اليوم كان عند الأوروبيين عيدا من الأعياد، بل فتحا مبينا،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٤٣