تعريف وكلام عام في العربية والاستعراب
والتعريب والإعراب
[*]
لا الأخذ بالتعريب يضرها ولا الإعراب ينفعها وإنما نفعها وضررها على
حسب همم رجالها.
كلام يجر إلى كلام وحديث يسوق إلى حديث، والشيء بالشيء يذكر والند مع
الند يقرر.
إن مبحث التعريب الذي خطب فيه الفضلاء هذه الأيام قد تدرج ببعضهم إلى
ذكر العرب والاستعراب، ثم جال بفكري إلى غير ما ذكروه من الأبواب فأحببت أن
أعرب الآن عن بعض ماجال بفكري مما يحوم حول هذا المبحث وهي موضوعات
متعددة أحببت أن أوحد الكلام فيها وآتي به مستمسكا بعضه ببعض فلعلك تعرف
الكتاب من عنوانه، وعساك تقف على ما يعجبك في شيء من بيانه.
***
قال بعض الظرفاء: إذا كان وطن العرب شبه جزيرتهم فرأس مالهم لايزال كما
هو والربح من بعده كثير.
ونحن نأخذ هذا الكلام على وجهه من الجد صارفين النظر عن وجهه من
الظرف ونقول: نعم إننا نجد في عرب اليوم عرب أمس وزيادة.
نجد هذا في اللغة والأخلاق والعادة والحالة الاجتماعية والسياسية والجغرافية.
ولعل القارئ إذا جلى أمام نظره ما يشهد لهذا يظن نفسه في رواية تمثيلية، بيد أنها
طبيعية لا صناعية، وحقيقية لا خيالية. ميادينها الفيافي والفدافد الواسعة لا
دائرة صغيرة ضيقة، وأبطالها الملايين الكثيرة لا نفر من الناس.
ولو نشر اليوم أحد الجدود الأقدمين في أوربا مثلا لأنكر فيها كل شيء، ولكن
لو نشر أحد الجدود الأوربيين في شبه جزيرة العرب لما أنكر فيها شيئا، فإن كل ما
ترك من مأوى ومركب وسلاح وماعون وكساء وغذاء وقبائل وملاحم ومغازي
ومفاوز وفدافد يجد خلفاءه لم يحدثوا فيه حدثا ولم يعمدوا فيه إلى تغيير. يجد الخيام
من الأوبار والجلود، ويجد السيوف والرماح والمجان والدروع، ويجد الصافنات
والعاديات والقلائص والروامل والرواحل والعشار اليعملات، ويجد الصاع
والقصاع والبرم والقدور والقداح، ويجد القمصان والعمائم والبرود والخفاف، ويجد
العصائد والخزائر والهرائس والبر والشعير والتمر والزبد والألبان، ويجد بني
صخر وبني حرب وبني عامر وبني وائل وبني بكر وبني طيء وبني فلان وفلان،
ويجد حروبا بين هذه القبائل قائمة ونيرانا مستعرة يتواعدون الأيام لمنازلاتهم
ويتربصون الفرص لمغازيهم، ويجد يد الطبيعية لم تزل موضوعة على حالها في
تلك الطلول والديار وهاتيك المنازل والمناهل لم تدن منها يد الصناعة في شيء من
الأشياء.
كانت جزيرة العرب أقساما وهي اليوم كما كانت: تهامة والحجاز واليمن
وحضرموت وظفار والبحرين ونجد وبوادي الشام والعراق. كانت هذه البلاد
تختلف وهي الآن كذلك؛ فتهامة والحجاز لم يكن فيها حرث وزرع إلا قليلا، وكان
أهلها أولي شظف في العيش غالبا، ولا يزال القوم على هذه الحال. وأهل اليمن مع
محافظتهم على جميع عادات العرب كان لهم حرث وزرع وهم اليوم هكذا. وأهل
حضرموت وظفار والبحرين كان لهم حظ بالتجارة والاتصال بالهند مع المحافظة
على سنن العرب، ولا يزالون اليوم على هذا المنوال، وكانت نجد كالحجاز إلا في
زيادة المزارع وهي الآن كذلك، وكانت بوادي الشام والعراق ما بين قريب إلى
المعمور وبعيد عنه وشأنهم مع أصحاب الممالك على حسب القرب والبعد وهي
اليوم هكذا.
وبالجملة كان أهل هذه الجزيرة رواد معايش وطلاب أداة وماعون، ويتصل
من أجل ذلك كل قسم منهم بالبلاد القريبة منهم ويقتبسون منهم شيئا من العادات
والاعتقادات ويكون لهم معهم شأن من الشؤون في الروابط السياسية والاجتماعية
وهذا الحال عينه مشاهد اليوم فيهم بالتمام، وزد عليه أنهم كانوا في أنفسهم شعبا
واحدا في لغة واحدة وبيئة واحدة وعادات واصطلاحات تكاد تكون واحدة. فالبيئة لم
تتغير ولم يتطرق إليها انقسام جديد غير ما ذكر، والعادات والاصطلاحات لم تتغير
ولم يطرأ إليها من الروابط إلا ما كان يطرأ مثلها من قبل، وكذلكم اللغة لم تتغير