تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأناشيد في مدح الأولياء، وفي الزهد في الدنيا التي يستعطفون بها الناس ويستندون

بها أكفهم، ومن خشي منهم لغطه. وقد أغنانا عن التطويل في هذه المسألة ما نقلناه

عن الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى- وهو القول الفصل فيها.

(2)

مسألة الرق

يقول اللورد: إن الشريعة الإسلامية تجيز الرق، ونقول: نعم إنها أجازته

ولكنها ما فرضته فرضا، ولا أوجبته إيجابا، ولا ندبت إليه ندبا، ولا استحبته

استحبابا، بل نقول بعبارة أوجز: إنها لم تجعله كما يخشى اللورد دينا يتقرب به

إلى الله. فيقال: إن المسلمين لا يتركونه، بل أقرت البشر- وكلهم كانوا

يسترقون - على ما في أيديهم من الأرقاء، وشرعت لهم العتق وتحرير الرقيق،

وجعلت ذلك دينا ويتقرب به إلى الله عز وجل. فتارة على سبيل الوجوب والحتم

الذي لا بد منه، وتارة على سبيل الندب.

ما أجازت الشريعة الإسلامية الرق إلا لأنه قد يكون موافقا لمصلحة من

يسترقون: كأن يقتل الرجال في حرب شرعية، ويبقى النساء والأطفال بدون عائل

ولا كافل، فقد يكون من الخير والمصلحة في مثل هذه الحالة أن يسترقوا للعجز

عن الاستقلال في الحياة، فإذا تسرى الرجال بالنساء وولدن لهم كما هو الغالب،

زال رقهن إذ يمتنع انتقالهن إلى ملك آخر، ويعتقن بموتهم، ولا يكون حالهن معهم

في الحياة دون حال الزوجات بالعقد.

وأما الأطفال فإنهم يكونون بمثابة الأولاد؛ إذ المشروع في هذا الدين أن

يكون الرقيق مساويا لمولاه وأهل مولاه في أكله ولبسه وعمله، وورد في الحديث

النهي عن تسميتهم بالعبيد والإماء، ثم حثت الشريعة على العتق حثا شديدا؛ وجعلته

كفارة لكثير من الخطايا، ومن أفضل النذور، ومحللا للحنث باليمين، وهي مع

تضييقها في الاسترقاق، جعلت الرق خلاف الأصل، حتى أن أي رقيق ادعى أنه

حر عدته حرا بمجرد دعواه، إلا أن يثبت مدعي ملكه أصل رقيته (ومن أراد زيادة

البيان في هذا فليرجع إلى المجلد الثامن من المنار) .

وجملة القول: إن الإسلام لم يأمر بالاسترقاق. ولكنه أمر بتحرير الأرقاء

وعتقهم، ولم يوجب ذلك على الناس دفعة واحدة؛ لما فيه من الحرج الشديد على

المالكين والأرقاء جميعا، فإن السادة الذين تعودوا أن يقوم عبيدهم بجميع شؤونهم،

لا يمكنهم أن يتركوا هؤلاء العبيد دفعة واحدة؛ لأن نظام معيشتهم يختل، وشمل

مصالحهم يتفرق، كما أن العبيد الذين تعودوا على كفالة غيرهم لهم وكفايتهم أمر

المعاش، يصعب عليهم أن يعيشوا بالاستقلال إذا هم أعتقوا مرة واحدة، كما حصل

في أمريكا، فإن الحكومة لما أبطلت الرق، تحير كثير من الأرقاء في أمر معيشتهم

ورضي كثير منهم بأن يظلوا عند مواليهم كما كانوا، ما كانوا يعاملون بما يأمر به

الإسلام، في مثل حديث الصحيحين وغيرهما، عن أبي ذر - رضي الله عنه -

قال: (إني ساببت رجلا (يعني بلالا) فعيرته بأمه - وفي رواية فقلت له:

يا ابن السوداء - فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - أي بعد أن شكا إليه بلال

ذلك: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم

الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما

يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) وقد أورد البخاري

هذا الحديث في كتاب الإيمان؛ للإشارة إلى أن معاملة الرقيق بهذه المعاملة

من شعب الإيمان، وأورده أيضا في العتق والأدب.

أما والله لو وجد الرق الذي يجيزه الإسلام، وعومل الرقيق بما يأمر به

الإسلام؛ لتمنى ألوف من الناس الذين يموتون جوعا في مثل شوارع لوندره فما

دونها من المدن والقرى في كل مملكة - أن يكونوا أرقاء يشاركون أهل النعمة

والثراء في أكلهم ولبسهم وعملهم، كما أمر الإسلام في مثل هذا الحديث.

أين هذا من أمر التوراة بالرق، ومن سكوت السيد المسيح عليه السلام عن

الوصية به بمثل ما أوصى بعده أخوه محمد عليه السلام؟ بل بعشر معشاره، على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٩١