تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السؤال والجواب، وتنزلت من سمائها فقبلت الجواب على أنه تنازل من اللورد،

ورجوع عن قوله الأول. وهي على كونها لم تترك اللسع أو اللدغ الخفي في هذا

كعادتها قد كرمت نفسها أن تعد الدفاع عن الإسلام دفاعا عن اللورد، فتركته إلى

من لا كرامة لهم في أنفسهم، ولا في أنفس أحد من العقلاء الذين يعلمون أن ذلك لم

يدفع عن اللورد ضرا، ولم يجلب له نفعا.

وقد كتب إلينا من القاهرة وغيرها في استحسان السؤال والجواب، واستهجان

خطة المشاغب فيه، وقد اكتفينا بنشر كتاب لأحد أساتذة المدارس؛ لأنه لم يسم فيه

أحد، وقد صرح بطلب نشره، فليراجع في باب المراسلة.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

حادثة دمياط

في طي الأرض، تقبيل أعتاب القبور، صناديق النذور

يقال: إن مسلمي مصر يتحركون إلى الترقي المدني الذي تعتز به الأمم،

ويتهمهم الإفرنج بأنهم يحاولون أن يجعلوا ترقيهم إسلاميا؛ يمتزج فيه الدين بالمدنية

والسياسة، ولو كانت هذه التهمة الشريفة صحيحة، لكنا نرى مبدأ هذه الحركة من

الأزهر، وما على شاكلته من المدارس الدينية، ولكنا نرى بين طلاب المدنية من

طريق علوم الدنيا، وبين رجال الدين صلة واتفقنا على الغاية التي يلتقي فيها

الفريقان في آخر السير، متحدين على إنهاض الأمة، وإعزاز الملة. ونحن لا نرى

بينهما إلا التباين التام، وفقد الثقة، والتدابر على خط مستقيم.

ونرى أن أهل الدنيا أقوى في ذلك من أهل الآخرة؛ فهم يجذبونهم ولا ينجذبون

إليهم، فلا ترى أحدا ممن ارتقى بالعلوم الدنيوية، يربي ولده تربية أزهرية.

ولكن أكابر علماء الأزهر قد يربون أولادهم في المدارس الدنيوية، حتى

مدارس الحقوق التي يكون المتعلمون فيها قضاة، يحكمون بالقوانين من دون

الشريعة، وقد سمعت بأذني بعض هؤلاء العلماء يقول بكفر قضاة المحاكم الأهلية؛

لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، ثم هو يحاول جعل ولده واحدا منهم، أو محاميا

حكمه في نظره حكمهم. ولو سألت السواد الأعظم من المتخرجين في المدارس

الدنيوية العالية، هل يرضون أن يكون شيوخ الأزهر وأمثالهم قضاة للمحاكم المدنية

والجنائية، وحكاما للسياسة والإدارة؟ لقالوا لك: إن البلاد تستغيث من أحكامهم في

الأمور الشخصية، فكيف تستقيم للأمة حال إذا هم حكموا في غيرها؛ لا سيما في الأمور المالية على اختلاف فروعها الآن، والسياسية على وعرة مسالكها،

والتواء طرقها.

وكان يرجى تلافي هذا التقاطع من رجال الدين، لكنهم واقفون في المضيق

الذي كان فيه أشياخهم وأشياخ أشياخهم، والأمة متحركة بطبيعة العصر، فلا هم

يسيرون معها، ولا هم يستطيعون إيقافها معهم، ولا هم يساعدون طلاب الإصلاح

على الجمع بين الدين، وما لابد منه لسلامة الملة والأمة، كاستقلال الفكر وتحصيل

علوم العصر.

إنك لتحدث أهل الرأي والفكر من الطبقات المختلفة في شأن الإسلام

والمسلمين، فلا تكاد ترى أحدا يرجو أن يجيء يوم يحكم المسلمون فيه بشريعتهم،

وهم في حال راقية عزيزة فيفكر في ذلك، ويسعى له سعيه. أليس هذا هو البلاء

المبين؟ بلى، وإن وراءه لبلاء أكبر منه؛ وهو نفور بعض الذين يتلقون العلوم

العصرية من عقائد الدين، واعتقادهم أنها لا تتفق مع العقل، ولا يلتئم مع استقلال

الفكر، ولا نجاح لأمة لا تعطي العقل حقه من الحرية، وتبلغ الفكر مداه من

الاستقلال، وكان يرجى تلافي هذا من العلماء أيضا بأن يجاهروا بمقاومة البدع

والخرافات.

كنا ننتظر من الأستاذ الأكبر الشيخ حسونة النواوي حركة إصلاح جديدة في

مقاومة البدع، أقوى من الحركة التي كانت في مشيخته الأولى، فما زادته الأيام إلا

حنكة واختبارا.

ولكن حادثة دمياط جاءت بنقيض ما كان ينتظر أو يرجى، فقد كانت هذه

المسألة فرصة لإحياء سنة أو سنن، وإماتة بدعة بل بدع كثيرة؛ لامتداد الأعناق،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٣٥