رزيئة مصر بحسن باشا عاصم
رزئت مصر في ثالث شوال برجل الجد والعمل والثبات والاستقامة والعدل
والنظام، خادم الأمة المخلص نابغة النوابغ نادرة العصر يتيمة العصاميين العصماء
حسن باشا عاصم رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأحسن عزاءنا وعزاء البلاد عنه.
وإننا نكتب في شأنه كلمات لا نقصد بها مجرد الرثاء والتأبين، ولا محض
الترجمة والتأريخ، بل العبرة والموعظة للأمة، عسى أن يكون فيها لأهل الاستعداد
حسن الأسوة.
ومن هو حسن باشا عاصم الذي يحليه المنار بهذه الألقاب والنعوت مخالفا
عادته في ذكر الناس بأسمائهم؟ من هو حسن باشا عاصم الذي يؤبنه المنار وقد
مات من الأمراء والباشوات وكذا العلماء ولم يذكر خبر موتهم ولا عزى البلاد
عنهم؟
كان حسن عاصم رجلا من الرجال الذي تنهض بأمثالهم الأمم إذا كثروا فيها
ولو كثر أمثاله لأذعنت إنكلترا بأن المصريين قادرون على أن يحكموا أنفسهم كأرقى
أمة أوروبية فقد كان إذا روحا من أرواح الحياة القومية، وركنا من أركان النهضة
المدنية، وإن كان عمله مما كانت تجهله العامة، وقلما تهتف به ألسنة الخاصة.
كان ربما يزور هذه البلاد السائح المؤرخ فيقرأ جرائدها، ويغشى أنديتها
ومعاهدها، ويتحدث مع الخواص والعوام، والمحكومين والحكام، فيسمع ويقرأ
أخبار الأحزاب ومؤسسيها، والتحزب لها أو عليها، والمحاورات في التفاضل بين
أفراد يقال: إنهم هم الذين ينهضون بالبلاد، ولا يسمع لحسن باشا عاصم في هذه
المواضع ذكرا، ولا يقرأ عنه في هذه الصحف خبرا، فكيف كان لحياة البلاد روحا
مدبرا، ولنهضتها ركنا مشيدا، والأمة في مجموعها غافلة عنه جاهلة عمله،
ويتنازع زعامة النهضة فيها زيد وعمرو، وخالد وبكر؟
الجواب عن هذا أن الرجل كان فعالا ولم يكن قوالا، وأمتنا في مثل هذا
الطور تشغلها الأقوال، وتغرها الدعاوى العراض الطوال، ورب قؤول كبير
الدعوى قدير على التغرير، لو كثر أمثاله في الأمة ما زادوها إلا رهقا، ولكن ما
كان يعرف حسن باشا عاصم أحد - وكل أهل الفضل في البلاد يعرفونه - إلا ويجزم
بأنه لو كان فينا عشرون رجلا مثله في صفاته وأعماله لنهضوا بنا نهضة لا تخطر
في بال الذين يقولون ما لا يفعلون، ولكانوا حجة لنا على الأجانب لا يكابر أحد في
دحضها. ولكن يوجد في البلاد مئات أو ألوف يستطيعون أن يقولوا بألسنتهم
وأقلامهم ما يشتهر بمثله المرء بين العامة قضت عليهم حال المعيشة بأن يكون
كسبهم الذي هو قوام معيشتهم بأعمال أخرى.
صفات حسن باشا عاصم
(استقلال الفكر) من الصفات التي تحلى بها هذا الرجل استقلال الفكر
والرأي، فقد كان لا يقلد أحدا في رأيه وإنما ينظر في الأمر ويطيل فيه الفكر والتدبر
حتى يظهر له الصواب. وإننا نرى أكثر الرجال قد درجوا على التقليد والتسليم حتى
كأنهم لم يخرجوا من الطفولية، وهم لا يشعرون بذلك لأنهم يظنون أنهم مستقلون فيما
قبلوه بادي الرأي ولا محل هنا لكشف التلبيس في ذلك.
(استقلال الإرادة) كان رحمه الله تعالى مستقل الإرادة قوي العزيمة، أعني
أنه كان يعمل دائما ما يعتقد أنه الصواب والخير والموافق للمصلحة في الواقع ونفس
الأمر بحسب اعتقاده، وإن كان مما يخشى أن يعود عليه بالضرر. وهذا الخلق فينا
أضعف من سابقه. ولو كان عندنا كثير من الحكام والعاملين الذين يعملون بما يعتقدون
أنه الخير والمصلحة للبلاد لكنا من أرقى الشعوب، فإن فينا عددا كثيرا من العارفين
بما يجب ولكنهم ضعفاء العزائم فلا يعملون بما يعلمون.
(الثبات والاستقامة) كان رحمه الله تعالى كالجبل الراسخ في ثباته على
رأيه وعلمه واستقامته في سيرته، وبهذا كان نافعا في استقلاله وقوة إرادته. فإن
العزيمة تكون في الخير والشر وفي المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وتكون
للرجل الثابت وللرجل القلب؛ فإن الإمعة الذي ليس له رأي مستقر قد يكون ضعيفا