تاريخ المصاحف
بقلم الدكتور محمد توفيق أفندي صدقي الطبيب بسجن طره
(1)
لما لهذا الموضوع من العلاقة الكبرى بجميع مباحثي في الإسلام التي سبق
نشرها في المنار الأغر، رأيت أن أفيض القول فيه بما يزيل ما ران على قلوب
كثير من الناس من الشبهات والإشكالات التي يقذف بها المسلمين دعاة من
المسيحيين، لا يميزون بين الغث والسمين. ولإيضاح المسألة إيضاحا تاما، رأيت
أن أضع مقدمة هامة تمهيدا للبحث، ودعامة للفحص، فنقول: غير خاف على أحد
أن الأمة العربية قبل الإسلام كانت أمة أمية، يقل فيها وجود من يعرف القراءة
والكتابة معرفة جيدة، وكان جل اعتمادهم في جميع ما يروونه من أنسابهم
وأشعارهم وغيرها على حفظهم لها في صدورهم، ولم يعرف أنه كان عندهم كتاب ما
من الكتب في أي موضوع كان، وغاية ما كانوا يفهمونه من لفظ (كتاب) أنه أي
صحيفة مكتوب عليها؛ من نحو الجلود أو العظام أو الحجارة أو الجريد، بل إن
الصالح للكتابة من كل هذه الأشياء كان لديهم قليلا؛ ولذلك لم يستغنوا بنوع واحد
منها عن باقيها، ولم يكن عندهم الورق الذي نعرفه الآن، وهذا اللفظ ما كان يطلق
عندهم إلا على ورق الشجر وعلى رقاع من الجلود رقيقة، والإطلاق الأخير
مستعار من الأول.
ولا تجد في اللغة العربية اسما خاصا بما يشبه ورقنا المعروف سوى لفظ
واحد وهو (الكاغد) وهو فارسي معرب، وقد أدخلته العرب في لغتها بعد النبي
صلى الله عليه وسلم؛ فلذا لم يرد في كلامهم قبله عليه السلام ولا في عصره، ولم يرد في أحاديثه ولم نسمع أنه كان مما يكتب عليه القرآن في حياته عليه السلام، والغالب أن هذا اللفظ دخل في اللغة العربية بعد فتح المسلمين لبلاد فارس، وأما لفظ
(القرطاس) فهو أقدم في اللغة، وورد في القرآن الشريف، وكان معناه عندهم
الصحيفة من الأشياء التي كانوا يستعملونها للكتابة، ثم أطلقوه فيما بعد على
الكاغد أيضا حينما عرفوه، وصاروا يسمون به كل ما يكتبون عليه من الصحف،
هذا وإن ما ورد في كلامهم من لفظ (كتاب) كانوا يريدون به ما يطلق عليه في
عرفنا اليوم لفظ (خطاب) أو جواب، ومنه قوله تعالى في قصة سليمان: {اذهب
بكتابي هذا فألقه إليهم} (النمل: 28) ، ومنه كتب النبي - صلى الله عليه وسلم -
إلى الملوك؛ يدعوهم إلى الإسلام، ومثل الكتاب: السفر والزبور والسجل والدفتر،
فإن معانيها كلها متقاربة، وما كانوا يفهمونها كما نفهمها الآن؛ ولذلك لما جمع القرآن
بعد النبي، اختلفت الصحابة في ماذا يسمونه به وتوقفوا؛ لأنهم لم يعهدوا مثله من
قبل، ثم استقر رأيهم أخيرا على تسميته بالمصحف؛ تبعا لأهل الحبشة في تسمية
مجموعاتهم بذلك، والمصحف: الكتاب، بالمعنى الذي نفهمه نحن الآن عند الإطلاق؛
لأنه مأخوذ من أصحف أي جمع الصحف. وكل صحيفة كتاب عند العرب كما
ذكرنا، وكانت أيضا كتب بعض الأمم غير العربية عبارة عن قطع من الجلود أو
القماش، يختلف عرض الواحدة منها من 12 إلى14 قيراطا، وكانوا يلفونها على
قضيب من الخشب ملصق بأحد أطرافها كما تلف الخرائط الجغرافية الآن. وهذا هو
الطي المذكور في قوله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ (الأنبياء:
104) ولا تزال التوراة مطوية كذلك عند السامريين إلى اليوم.
هذا الذي تقدم، ليس خاصا بمشركي العرب، بل يشمل أيضا أهل الكتاب
منهم، ولذلك لا نسمع بوجود نسخه كاملة من التوراة أو الإنجيل بينهم كالنسخ
الموجودة الآن، ولم يكن عندهم سوى أجزاء قليلة منهما مكتوبة على قطع متفرقة
من الجلود أو العظام أو الخشب أو نحوه. فلذا وصفهم القرآن الشريف بقوله:
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ (آل عمران: 23) ، وخاطبهم بقوله:
﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾ (المائدة: 15) وقال فيهم: ﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾ (المائدة: 13) وقال