الأشربة الروحية
(مقالة المقتطف التي وعدنا بنشرها)
قلما تجد مائدة من موائد الإفرنج خالية من الشراب: من الخمر أو البيرا أو
الشمبانيا، ولم تولم وليمة من غير أن تشرب عليها أقداح الراح ولا تحسبن ذلك
خاصا بالإفرنج، بل هو شائع عند كل الأمم حديثهم وقديمهم. فآثار مصر،
وخرائب بابل وأشعار اليونان وتواريخ الرومان، وأخبار الأمم الحاضرة
والغابرة، وكتب الرحلات، كل ذلك ناطق بأن الناس لم ينفكوا عن تعاطي كؤوس
الراح من أول عهدهم بين مقل ومكثر ومقلل ومدمن ولم ينفك فضلاؤهم عن التحذير
منها والنهي عنها، وحجتهم أنها تسكر، وتذهب العقل، وتتلف المال والصحة.
لكن النهي والتحذير لم يأتنا بطائل، فلا يزال الناس ينفقون على الخمورأضعاف ما
ينفقونه على تعليم أولادهم، وينفق بعضهم عليها أكثر مما ينفق على طعامه، ولا
يزال الأطباء يصفونها لضعاف الأجسام؛ كأنها من المقويات فيقوون اعتقاد الناس
فيها، ويزيدون ميلهم إليها، فهل الأطباء مصيبون في ذلك؟ وهل نفع الأمور كاف
للتكفير عن مضارها؟ هذه مسألة جديرة بالنظر ولا سيما بنظر الأطباء.
ولا نريد بالمضار هنا مضار السكر؛ لأنها تفوق كل ما يمكن أن ينسب إلى
الخمر من النفع أضعافا كثيرة، فلا وجه للموزانة بينهما، وإنما نريد مضار الشرب
المعتدل، أو شرب الخمور على الطعام الذي اعتاده الأوربيون ومن جرى مجراهم،
واتفق أكثر الأطباء على وصفه لنحاف الأجسام، أو للذين ساء هضمهم للطعام.
يقصد بالطعام: تغذية الجسم، وبالشراب: تسهيل هضم الطعام حتى يغذي
الجسم وليس وراء ذلك فائدة عملية من الطعام أو من الشراب لمن يأكل ويشرب،
نعم، إن من يبيع الأطعمة والأشربة، يستفيد كثيرا من بيع بضاعته نفعت المشترين
أو أضرتهم، ولذلك نرى صانعي الخمور وبائعيها من أغنى أهل الأرض. ولكن هذه
الفائدة خارجة عن موضوع بحثنا، ولو كانت الدافع الأكبر لترويج الخمور في الدنيا
ولا ينكر أن في الطعام والشراب لذة للآكل والشارب ولكنها تختلف كثيرا باختلاف
الناس، وأحوالهم من الصحة والمرض، والراحة والتعب، والأنس والوحشة،
وباختلاف الرهط والصحب إلى غير ذلك مما لا ضابط له. لكن هذه اللذة - وإن
أفادت في بعض الأحيان - لا تعد من النفع المقصود بالطعام والشراب، وهو تغذية
الأجسام فإن جسم الإنسان، كجسم الحيوان وكجسم النبات، من هذا القبيل ينمو ويقوى
وتصلح حاله بالغذاء الكافي، ويؤذى ويضعف وتفسد حاله بقلة الغذاء.
ازرع بزرة في التراب واتركها من دون ماء، فلا تنبت، أو ازرع البزرة في
الماء واتركها من دون تراب، فلا تنبت، وإن نبتت ذوت ويبست حالا؛ لأن نمو
البزرة حتى تصير شجرة، يقتضي أن تتغذى، والغذاء يأتيها من التراب. ولكن لابد
من أن يذوب أولا في الماء، حتى يتمكن من دخول جسمها وتغذيتها، فإذا زرعت
في التراب ورويت بالخمر، لم تعش ولم تنبت، وهذا أمر يستطيع كل أحد امتحانه
فيرى أن الخمور لا تذيب الأطعمة على أسلوب يجعلها صالحة لتغذية النبات.
وجسم الحيوان يختلف عن جسم النبات من وجوه كثيرة. ولكنهما يتغذيان
على أسلوب واحد تقريبا.
ولقد أبنا في مقالة سابقة موضوعها الحق والباطل، أن مقياس الحقائق
استعمالها والانتفاع بها. وهذه الحقيقة أي: ضرر شرب المسكرات مهما كان مقدارها
قليلا، وجدت لها شركات التأمين على الحياة نفعا كبيرا، فهي تتساهل مع الذين لا
يتعاطون المسكرات أبدا أكثر مما تتساهل مع الذين يتعاطونها ولو قليلا. أي: صار
للامتناع عن شرب المسكرات قيمة مالية تقدرها شركات التأمين بالدرهم والدينار.
ولقد وصلت إلى ذلك بعد اختبار طويل واستقراء دقيق، وهذا أدل دليل فعلي
على ضرر المسكرات، ولو وصفها الأطباء وأطنبوا بمدحها ونفعها. فإذا عرض
اثنان أن (يسوكرا) حياتيهما على مبلغين متساويين من المال، وكان سنهما واحدا