-----------------
<span class="footnote">
بحث في المؤتمر الإسلامي
لتعارف المسلمين
والبحث عن أسباب ضعفهم
وطريق علاجه وتاريخ الدعوة إليه
أول صوت سمعناه في هذا العصر يدعو المسلمين إلى التعارف والاتحاد
والتعاون في الرأي، والسعي على تدارك ما حل بالمسلمين من الرزايا الاجتماعية
التي هبطت بهم من ذلك الأوج الذي كانوا فيه إلى الحضيض الذي صاروا إليه
حتى سبقهم أهل الملل من الكتابيين والوثنيين في المدنية - هو صوت الحكيمين
الغيورين المجاهدين في سبيل الله، الجهاد الذي لا يفضله جهاد في هذا العصر:
السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده. رحمهما الله تعالى وجزاهما عن نفسهما،
وعن الأمة والملة خير الجزاء.
للسيد جمال الدين مقالات كثيرة في تنبيه المسلمين من رقدتهم، وإعلامهم
بأسباب تمزيق قوتهم، ودعوتهم إلى الوحدة، ودلالتهم على وسائل القوة، وله من
الدروس والخطب والمحاورات في ذلك ما هو مشهور بين العارفين، وإن لم يقيد
بالتدوين، ولما اجتمع الشيخان في باريس وأصدرا جريدة (العروة الوثقى) كان قطب
سياستهما دعوة علماء المسلمين وعقلائهم إلى النظر في أحوال المسلمين العامة
وإرشادهم إلى ما ينهض بهم إلى مجاراة الأمم العزيزة وكان من رأيهما أن يشتغل
بذلك أهل كل قطر في قطرهم بالتعاون بينهم، وأن يكون لهم مجتمع عام في الحجاز
يأتمر فيه من يحضر الموسم من أعضاء جمعية العروة الوثقي فيما بينهم، وما كانا
يكتفيان في هذا الإرشاد بما ينشر في جريدة العروة الوثقى، بل كانا يكاتبان من
يرونه أهلا لذلك في أقطار المسلمين. وفي الجزء الثاني من تاريخ الأستاذ الإمام
نموذج من كتبه لبعض أولئك الأعضاء (راجع ص 488 - 512) .
وقد جاء في فاتحة العدد الأول من جريدة العروة الوثقي بعد ذكر تنبه عقلاء
المسلمين، وسعيهم في معالجة عللهم ما نصه:
(وبما أن مكة المكرمة مبعث الدين ومناط اليقين، وفيها موسم الحجيج
العام في كل عام، يجتمع إليه الشرقي والغربي، ويتآخى في مواقفها الطاهرة الجليل
والحقير والغني والفقير، كانت أفضل مدينة تتوارد إليها أفكارهم ثم تنبث إلى سائر
الجهات. والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل) .
وجاء في خاتمة مقالة نشرت في العدد الخامس عنوانها {واعتصموا بحبل الله
جميعا ولا تفرقوا} (آل عمران: 103) إرشاد إلى كيفية الوحدة في الإصلاح
الديني، ومنه (ويجعلون لهم مراكز في أقطار مختلفة، يرجعون إليها في شؤون
وحدتهم، ويأخذون بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الأثر،
ويجمعون أطراف الوشائج إلى معقد واحد، يكون مركزه الأقطار المقدسة، وأشرفها
معهد بيت الله الحرام، حتى يتمكنوا بذلك من شد أزر الدين وحفظه من قوارع
العدوان) ... إلخ (فراجعه في ص 254 من الجزء الثاني تاريخ الأستاذ الإمام) .
وجاء في آخر مقالة منها نشرت في العدد العاشر، عنوانها حديث (المؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) ما يأتي (كما في ص 29 من الجزء الثاني من
تاريخ الأستاذ الإمام) .
(وأرى أن العلماء العاملين، لو وجهوا فكرتهم لإيصال أصوات بعض
المسلمين إلي بعض، لأمكنهم أن يجمعوا بين أهوائهم في أقرب وقت، وليس بعسير
عليهم ذلك بعد ما اختص الله من بقاع الأرض بيته الحرام بالاحترام، وفرض على
كل مسلم أن يحجه ما استطاع، وفي تلك البقعة يحشر الله من جميع أجيال
المسلمين وعشائرهم وأجناسهم) ... إلخ.
هذه إشارة مما كتبه الأستاذ الإمام، باتفاق الرأي بينه وبين حكيم الإسلام، منذ
ربع قرن. فإن العدد الأول من العروة الوثقي قد صدر في 5 جمادى الأولى سنة
1301.
***
ثم إننا لما أنشأنا المنار في أو أخر سنة 1315، كتبنا في العدد الثلاثين
والأربعين من السنة الأولى مقالا في (الإصلاح الديني) اقترحنا فيه على مقام
الخلافة تأليف جمعية إسلامية في مكة المكرمة، يكون لها شعب في كل قطر