تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العصبية الجنسية واللواء

أرسل إلينا بعض طلبة مدرسة الحقوق مقالا من الإسكندرية عنوانه (المنار

والسياسة والدين) . ولكن موضوعه الدفاع عن صاحب جريدة اللواء، وإطراؤه

بالمدح والثناء، ومؤاخذة المنار على إنكار عليه ما أدخله في دعوة الوطنية؛ من

نزغات العصبية الجنسية الجاهلية، وإقامته الحجج على أن ذلك مناف لما قرره

الإسلام من أخوة الدين، ومن الحقوق الأخرى لكل مقيم في دار الإسلام أيا كان

جنسه. ذكره بذلك، ما كتبناه في الجزء الماضي ردا على فريد أفندي وجدي.

قال الكاتب: (أما بعد، فإن لي كلمة، يدفعني الشعور بالواجب أن أقولها لكم

وهي وإن كانت لا تتفق إلى الآن مع رأيكم، إلا أن لي ملء الثقة في أنكم لا

ترفضون كل ما يخالفكم؛ لما ناديتم بذلك كثيرا، وشهدناه منكم غير مرة. فأنا أرسل

إليكم تلك الكلمة؛ معتقدا أني أخدم بها الحق، كما أخدم بها المنار، فرجائي أن

تنشروها في مجلتكم، ولكم بعد ذلك أن تعلقوا عليها، ما شئتم أن تعلقوا) .

نقول: إننا لا نرفض كل ما يخالفنا، ولا ننشر كل ما يوافقنا، وإنما نختار ما

نرى فيه الفائدة من الأمرين، ومنه الانتقاد علينا في المسائل الدينية والعلمية، ممن

يبحث في المسألة نفسها، لا في اعتقاده بنية صاحبها وشؤونه الخاصة، فلو كان

الكاتب جعل مقالته في انتقاد رأينا في العصبية الجنسية؛ لنشرناها. ولكن معظمها

في بيان اعتقاده في صاحب جريدة اللواء، وما يرجوه من سعادة البلاد بدعوته،

وهو ما نعتقد خلافه.

فهو يذكر اعتقاده فيه، ويقول: (فماذا تنتقدون عليه في ذلك؟ وماذا ترون

فيه مما يخالف روح الدين؟) كأنني بانتقاد العصبية الجنسية الجاهلية عليه،

انتقدت عليه كل شيء يقوله. وقد غلا في ذلك، حتى حكم بأنني أعد المبادئ التي

تنهض بها الأمم - وهي مبادئ صاحب جريدة اللواء في رأيه مخالفة للإسلام،

وأنني أجعل الحياة الوطنية عين العصبية الجنسية الجاهلية؛ وبذلك أكون منفرا عن

الإسلام.

وهذا غير صحيح، فما فائدة التطويل بشرح رأي غير منطبق على الواقع.

ليس في المقال دفاع حقيقي عن صاحب جريدة اللواء في موضوع العصبية

الجنسية، إلا إنكار أن تكون مما يدعو إليه، قال: لعلكم تريدون بذلك، ما يطعن

به على الدخلاء، وتحذير المصريين منهم في اللواء. إن كنتم تريدون ذلك وهو

الواقع، فما أبعد دعوته عن عصبية الجنسية؛ لأن مصطفى كامل باشا قد عرف

معنى الدخلاء غير مرة، وفهم ذلك عنه الكثيرون من قراء اللواء فهو يعني

بالدخيل من يزج بنفسه في أهل أمة، ويسعى في ضررهم، وهو يطلق هذا اللفظ

على فئة من نصارى سوريا، رأينا من أعمالهم أنهم يحملون في صدورهم أقبح

النيات نحونا؛ سعيا وراء مصالحهم وأهوائهم.

ثم ذكر أنه إن كان قد أدمجنا في تلك الزمرة؛ فما ذلك إلا لاعتقاده أننا نفعل

فعل تلك الزمرة، وأننا لا نخلص في فائدة الأمة المصرية، ثم استدل على ذلك

بإجلاله لبعض السوريين كرفيق بك العظم.

أقول: ليست العصبية الجنسية في اللواء مأخوذة من كلمة الدخلاء التي جعلها

هجيراه فقط، بل نرى روحه فائضة بهذه العصبية التي جعلها مضادة للسوريين

بوجه خاص، فما غاضت آونة؛ لعدم المحرك إلا وفاضت أخرى. وقد طغت حتى

تجاوزت السوريين المقيمين في مصر إلى غيرهم، كما ظهر ذلك عندما علل تألب

العساكر السورية المسوقة إلى اليمن بخسة المنبت.

وقد ظهر أثرها في الأغرار المخدوعين بجعجعة هذه الجريدة، حتى صار مثل

محمد فريد أفندي وجدي لا يسمح لمحمد رشيد رضا أن يتكلم في شؤون الأمة

المصرية، بل ولا في شؤون ملتها، ولا يجد أحدا ينشر له هذا إلا اللواء؛ صاحب

الدعوة وناشرها. وإن مثل هذه العصبية يكون مظهرها في اللسان أقوى منه في

الكتابة، وقد سمعنا من خاصة أصدقائنا الفضلاء من المصريين أنها قد قويت، حتى

صار بعض المتعلمين، بل والمعلمين يعذلون من إخوانهم من يعترف بفضل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٢٤