شوال - 1325ه
ديسمبر - 1907م
الكاتب: محمد توفيق صدقي
-----------------
<span class="footnote">
الماديون والإلهيون
[1]
فلسفة صحيحة
] ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم [[*]
محمد توفيق أفندي صدقي
(تمهيد - غرور الماديين بمعلوماتهم - الجوهر الفرد - المكان - الزمان -
قوى المادة - ما هو البرهان الصحيح؟ - المعجزات - الفلتات الطبيعية - مذهب
داروين - القضاء والقدر - أبسط الأحياء - الفعل المنعكس في السلسلة الحيوانية -
عمل المخ هو فعل منعكس متضاعف - الإنسان مضطر في صورة مختار -
اختلاف أحوال المادة - الظلم - تبرئة الخالق منه.
الإنسان مفتون بنفسه مغرور بعقله، لا يعرف من الأمور إلا ظاهرها فيظن
أنه أدرك بواطنها، فيتيه إعجابا وينأى بجانبه تمردا واستكبارا.
عرف الماديون شيئا من أسرار الوجود فوجدوا لذة وراحة عقلية ما كانوا
يشعرون بها من قبل، وتوهموا أنهم فهموا هذا الكون وسبروا غوره وأمكنهم التعليل
عن منشأه وأصله بدون الاحتياج إلى شيء ليسلبهم تلك اللذة الفكرية التي حصلوا
عليها.
قام الدين يناديهم بالإذعان لعلة العلل ومسبب الأسباب، ووصفه لهم بما لم
يمكنهم إدراكه ولا يقدرون على تصوره، فكبر عليهم ما دعاهم إليه. وعز عليهم
ترك ما هم فيه، فأعرضوا عن الدين وأظهروا العداء له، وقالوا: ما لنا ولهذا
الهذيان ونحن (وللطبيعة الحمد) قد وصلنا إلى درجة من العقل لا تتفق مع هذا
البهتان الكبير.
شرب بعض المقلدين لهم من حياض أفكارهم فثملوا بها، وفاتهم أن الدين
الصحيح يذهب بمتبعيه إلى بساتين الحرية والراحة العقلية التي يمرح فيها المؤمن
ويعلو على دوح التصورات الفكرية حتى يبلغ الملكوت الأعلى ويصل إلى معرفة
واجب الوجود، فينزل إلى المادة وقد عرف علتها الحقيقية التي لا يعروها الوهم،
ولا يدنوا منها الخطأ أو الشك.
إن كان الماديون ينكرون وجود الله لأنهم لا يمكنهم أن يدركوا كنهه تعالى
فأي شيء أدركوا؟ هل أدركوا المادة؟ أم هل أدركوا قوامها؟
أسمع صوتا من بعيد أظنه من بعض الغافلين يقول: نعم قد أدركوا كل شيء
أما قرأت علومهم؟ أما سمعت بمكتشفاتهم؟ فأي شيء لم يدركوا؟
ادن مني يا هذا ولا تعجل علي فإني آتيك بالخبر اليقين. ومخبرك بحقيقة
علمهم، ففكر معي تفكيرا وترو في الأمر طويلا.
خذ قطعة من أبسط الأشياء كالحجر مثلا واسحقها، ثم خذ بين أصبعيك منها
أصغر ذرة تقدر عليها، ثم سر في تقسيمها إلى أصغر منها بالعقل. فهل تقف عند
حد أو لا تقف؟ إن قلت أنك لا تقف قلت: إذا هذه الذرة مركبة من ذرات [2] لا عدد
لها وليس لها حصر. فكيف ذلك وهي محصورة بين أصبعيك تقلبها كيف شئت؟ فهل
يكون غير المتناهي متناهي وغير المحصور محصورا؟ أي تناقض أصرح من هذا؟
وإن قلت أنك تقف عند حد سألتك: هل الذرة التي تقف عندها لها امتداد أم ليس لها
امتداد؟ فإن كان لها امتداد فلم لم تتصور تقسيمها ولم تقف عندها؟ وإن لم يكن لها
امتداد (وهو الصحيح) فهل يمكنك أن تدركها بعقلك أو تتصورها في فكرك؟ كلا،
إذا أنت لا تدرك شيئا من مادة هذا الوجود الواقع تحت حسك، فكيف بواجب الوجود
(الله تعالى) ولم تنكر وجوده، وقد قامت عليه الدلائل القاطعة كالتي بيناها في
بعض مقالاتنا السابقة في المنار؟
تفكر ثانيا في تلك الذرات التي لا امتداد لها، فهل يمكنك أن تتصور كيفية
اجتماع بعض أجزائها ببعض حتى تتركب منها الأجسام الشاغلة للفراغ؟ إذا وضع
ثلاث منها بعضا بجانب بعض، فهل تثبت للوسطى منها جانبين أم لا؟ فإن
أثبت ذلك لها كان ذلك نقضا لقولك الأول أنها لا امتداد لها وأمكنك قسمتها. وإن لم
تثبت لها الجوانب، فهل تتصور كيفية وجودها واتصال بعضها ببعض؟ كلا إنه لا
يمكنك ولا يمكنني ذلك؛ إذا لا يمكننا أن نتصور حقيقة الأجسام ولا الفراغ ولا
المكان؛ لأن ما يقال في الأجسام يقال مثله في المكان، وما قيل في الذرات التي لا