تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التعليم الديني

لا نعرف بلادا إسلامية أثر فيها التفرنج، كما أثر في مصر. وأغرب مظاهر

هذا التأثير ما جرى منذ أشهر من الخلاف بين المسلمين، في تعليم الدين

بالمدارس، بل وفي فائدة تعليم الدين وعدم فائدته، وإمكان الاستغناء عن الدين في

تهذيب الأخلاق، وتربية النفوس.

فتحت باب البحث في ذلك الجرائد، وتبعها الناس كعادتهم فمن قائل: إن

موضع تعليم الدين البيوت لا المدارس، وإنه ينبغي للحكومة أن تبطل تعليم الدين

من مدارسها. ومن قائل: إن ما يعلم في هذه المدارس كاف، لا حاجة إلى الزيادة

عليه. ويقابل هذا القول، طلب أعضاء مجلس الشورى والجمعية العمومية زيادة

التوسع في تعليم الدين بهذه المدارس. ووراء هذه الأقوال والآراء ما كتبه بعض

الناظرين في آراء فلاسفة أوربا، ونشر في جريدة المؤيد من بيان وجه الحاجة إلى

تعليم الدين، وبيان الاستغناء عنه، ومن قال بذلك من علماء الغرب.

ومما يتشدق به المقلدون لأصحاب الآراء الفلسفية الناقصة، قولهم أنه يمكن

الاستغناء عن الدين، بالتربية الأدبية العقلية، المبنية على الإقناع بضرر الرذائل،

ونفع الفضائل، كأن يقول المعلم للتلميذ: إن الكذب قبيح، ومقترفه محتقر بين

الناس، لا يوثق بقوله، ولا يعتد بشهادته، ولا بخبره، وإن الخمر ضارة؛ تذهب

بالصحة والمال. ومن هؤلاء من يرى أن هذه الطريقة أفضل من طريقة الدين

المبنية على التخويف من عذاب الآخرة؛ لأن في هذا التخويف من إضعاف النفس،

وإيقاعها في الأوهام ما فيه على زعمهم.

ومن أهل الدين الراسخ من سرى له شيء من أوهام المتفلسفة، فصار يرى

أن تعليم الدين والتربية عليه في الصغر ضار، ولكنه يجب بعد بلوغ العقل أشده؛

لأن الدين عبارة عن فلسفة روحية، والمبتدئ ليس أهلا لتلقي الفلسفة.

قد استعجل متفرنجو المسلمين جدا، في جعل مسألة التعليم الديني محل بحث

ونظر، واستعجل المتفلسفة منهم في الحكم بأن الإقناع العقلي كاف في تهذيب

الناشئين، ومغن عن الأخذ بالدين أو خير منه، فإن أئمتهم من غلاة الملاحدة في

أوربا لم يظفروا بإقناع شعب من شعوبهم برأيهم هذا، ولا يزال جميع

الأوربيين يقيمون بناء التربية والتعليم على أساس الدين، على أن حاجتهم إليه

دون حاجتنا لوجوه، منها انتشار التعليم الأدبي والإقناعي في جميع طبقاتهم، حتى

إن بعض بلادهم لا يوجد فيها أمي ولا أمية، ونحن عاجزون عن تعميم التعليم

بدين أو بغير دين، فهل من الصواب أن تجعل المتعلمين منا على قلتهم

غير متدينين، وهم القدوة لسائر الأمة؟ أم الصواب أن يسعى هؤلاء النفر من

المتفلسفة، إلى محو الدين من الأمة برمتها متعلمها وأميها. وهل يظنون أن جميع

أفراد الأمة يكونون حينئذ فلاسفة أو متفلسفين مثلهم، يتركون الشرور لقيام الدليل

العقلي على ضررها أو منافاتها للشرف؟

قلما تجد أحدا من أصحاب هذا الرأي العقيم تاركا للمعاصي والشرور؛ لأنها

ضارة بالمجتمع، أو مخلة بالشرف، ومن ترك ذلك ظاهرا لا يتركه باطنا، إلا من

تربى منهم تربية دينية حقيقية، طبعت في نفسه ملكات الفضائل طبعا، عجزت عن

محوه نزغات الفلسفة الناقصة.

يمكن أن يجمع للناشئ بين الإقناع والدين؛ بأن يبين له ضرر الرذائل

والمعاصي في سياق حكمة تحريمها، وبيان محاسن الفضائل ومنافعها في سياق

حكمة إيجابها أو استحبابها، وإلا تعسر الإقناع أو تعذر؛ لاختلاف الأفهام في حقيقة

الشرف، والخير، والشر، والنفع، والضر. فإذا قلت للناشئ: إن الزنا قبيح أو

مخل بالشرف، لا يمنعه ذلك أن أقنعه بأن يأتيه سرا؛ لأن أمر الشرف منوط بنظر

الناظرين وعرفهم. وإذا قلت له: إنه خطر على الصحة؛ لأنه مدعاة للإسراف،

أو مجلبة لبعض الأدواء. لم يكن لقولك من التأثير - إن أخذ بالتسليم - إلا العزم على

الاقتصاد فيه، والحذر من غشيان المصابات بالأدواء، ويظن أن ذلك مما يسهل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٥٠