تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التدوين في الإسلام

سادتي الكرام:

حقا إني حري بالفخر، حقيق بتقديم واجب الشكر على أن تنازلتم بقبولي

هذه المرة خطيبا في ناديكم الجامع لنوابغ الأمة ونخبة أهل الفضل والعلم منها،

وإني أعترف بأن موقفي بينكم موقف صعب لا يجرؤ على الوقوف فيه ضعيف مثلي

ليس في مرتبتكم السامية في العلم والاطلاع، فألتمس منكم لهذا السبب المعذرة إذا

تلعثم لساني واضطرب جناني، والكريم يعذر على كل حال.

ولقد اخترت موضوعا لبحثي هذه المرة، أظنه لا يخلو من فائدة تاريخية مع

ما أعتقد في نفسي من العجز عن إعطاء مثل هذا الموضوع أو البحث حقه من

البيان والتدقيق. لكن قاعدة (ما لا يدرك كله لا يترك كله) ربما سمحت لي بعرض

معلوماتي في هذا الشأن على مسامع سادتي الحاضرين، مهما كانت قيمتها هينة في

نظركم ونظر التاريخ.

الموضوع هو التدوين في الإسلام أو مبدأ الكتابة، وتقييد العلم في الصحف

عند المسلمين.

إن الذي دعاني إلى اختيار هذا البحث على بعده عن أذهان كثير منا لهذا العهد

هو تصدي بعض الباحثين لتطريق الوهن والتجريح إلى العلوم التي وصلت إلينا

من أسلافنا في الصدر الأول: كالحديث وآداب اللغة العربية والتاريخ.

فقد زعموا أن المسلمين لم يدونوا هذه العلوم إلا في القرنين الثاني والثالث،

وأن الأخبار التي تتلقى بالرواية مدة قرنين ثم تكتب بعد ذلك الأمد الطويل، قلما

يوثق بسلامتها من التحريف والتبديل، وذلك قياس لأخبار العرب على غيرها من

أخبار الأمم الأخرى التي لم تكتب صحيحة في حينها، وإنما كتبت بعد مرور زمن

طويل أو قصير عليها مشوهة بآفة التبديل والتحريف، فسقط اعتبارها على ظنهم

في التاريخ، وهذا الزعم بالنسبة إلينا مردود من وجهين:

(الوجه الأول) ما عرف عن العرب من إتقان الحفظ والرواية، وكونهم

مطبوعين على ذلك.

(الوجه الثاني) ثبوت التدوين وكتابة الأخبار في الإسلام من أوائل القرن

الأول؛ أي من عهد صاحب الرسالة وأبي بكر الصديق، وثبوت عناية العرب

المسلمين بالكتب أو العلوم المدونة منذ ذلك القرن.

أما الوجه الأول: فبيانه أن قوى الإنسان ومشاعره خاضعة كلها لحكم

الفطرة؛ إذ المشاهد أن الإنسان إذا فقد أداة من قواه العاقلة أو مشاعره قويت فيه

أداة أخرى. فضعيف الذاكرة يكون قوي التفكر بحكم الحاجة إلى استحضار صور

المعلومات التي تغيب عن حفظه.. وفاقد البصر يكون قوي السمع والحفظ كذلك.

والعرب لما كانوا أمة أمية قليلي العناية بالكتابة التي هي أداة من أدوات

الحضارة، استعاضوا عنها لاستيفاء أخبارهم وتداولها بقوة الحفظ، فمرنوا على هذه

القوة حتى صارت لكثير منهم ملكة لا يحتاج صاحبها إلى تكلف عناء في حفظ ما

يرد على سمعه من الأخبار والأشعار، فقامت عندهم مقام الكتابة وقيد الأخبار

بالصحف؛ لذلك كانت أخبار العرب وأشعارهم التي وصلت إلينا إلى هذا اليوم،

إنما اتصلت بالمسلمين بالرواية؛ ثم قيدها هؤلاء بالكتب في العصر الأول وما بعده.

وكلكم تعلمون أيها السادة مبلغ قوة الحفظ عند العرب؛ بما تقرأونه من أخبار

حماد الراوية الذي كان ينشد عدة قصائد على قافية واحدة لعدة شعراء، وكذا تقرؤون

أخبار غيره التي من هذا القبيل، وقد كان عبد الله بن عباس يحفظ القصيدة الطويلة

بسماعها مرة واحدة، وها أنا ذا أورد لكم خبرا من أخباره في الحفظ يستدعي

إعجابكم بذلك الرجل الجليل الذي كان يستوعب ذهنه من شرائع الإسلام وأخبار

العرب وغيرهم ما لا تستوعبه مكتبة من المكتبات الضخام.

روى هذا الخبر صاحب الأغاني بسنده، قال: بينما ابن عباس في المسجد

الحرام وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه؛ إذ أقبل عمر بن أبي

ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين أو ممصرين حتى دخل وجلس، فاستنشده ابن

عباس قصيدة:

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣١٦