تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذو الحجة - 1325ه

فبراير - 1908م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

خطاب الشيخ أحمد الإسكندري في اللغة العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها السادة الأفاضل:

إني لأحسبني سعيدا موفقا أن أقف الليلة معبرا بلسان جمهور عظيم من أبناء

اللغة العربية وحراسها وكفاة حاجها، وحماة ذمارها من حاضري مجلسنا هذا وغير

حاضريه، ومن كل من يصلي إلى القبلة أو ينطق الضاد.

أولئك الذين سأرى منهم من يشد أزري ويقيم عذري؛ إذا تنكبت عن

محجتهم، أو فتر همي دون استيعاب آرائهم، واشتفاف ما في مزادتهم، فإن لكل فكر

غاية، ولكل رأي شرعة، ورحم الله من استدرك فائتا فنبه إليه، وأبصر ضائعا

فدل عليه، ولا تزال الجماعة من الناس بخير ما بقيت فيهم نصفة لأنفسهم، وارتياح

للحق أنى جاءهم، فإن هم استمرؤوا المراء والعنت وخاطروا بمروآتهم في مصارعة

الحق غضبا للنفس وتعصبا للهوى، فلا والله إن أفلحوا في أمر، أو أبلوا في عدو.

هذا الذي أعرفه فيكم من النصفة في الحكم، والمظاهرة للحق، والحفاظ على

سلامة اللغة، والنعرة في تشريف الجنس - هو الذي أطمعني في حسن الظن بأن

مقالي هذا سيستجيش عزائمكم، ويستثير هممكم، ويستنصر حفائظكم؛ لمناهضة

العجمة التي كادت تجهز على لغتكم، وتنازعكم وجودكم، وتنسخ من الدنيا جنسكم

وملتكم، وهو الذي هون علي أن أبدأ بالتكلم في ذلك فأقول:

حالة اللغة في

زمنيها الماضي والحال

شهد العدو قبل الصديق بأن لغة العرب أفسح اللغات مجالا لقائل، وأخفها

جرسا على سامع، وأنها أجلى اللغات بيانا وأعذبها منطقا وأغناها لفظا وأوفرها

أسلوبا، وأخصرها عبارة، وأوضحها تمييزا وإعرابا. ولو حاولت الاستشهاد على

ذلك بأقوال علماء اللغات من شرقيين وغربيين لصرفت وجه القول عن موضوع

الليلة، ولما وسعتني ليلة أو ليال ولو وقع ذلك مني في كتاب حافل، ولكني أترك

الحكم بصحته لعزيز علمكم وجميل إنصافكم.

هذه اللغة التي خدرها أهلها عن التبذل لسواها، وصان حر وجهها أولياؤها

عن مسألتها غيرها منذ أزمان سحيقة، وعصور متوغلة في القدم يتضاءل أمامها

التاريخ، ويتصاغر دونها عدد المئات والألوف، وقد تناوبها ما يتناوب كل طويل

العمر من سعادة وشقاء وشدة ورخاء، فلشد ما تنكر لها الدهر فصابرته، وصارمها

الصديق فحاسنته، كما طالما أشرقت لها أسارير الزمان، وأطلق لها في كل شيء

الرسن والعنان، فمرت بها عصور سعد كانت فيها لغة العلم والحكمة، لغة الخطابة

والمحاضرة، لغة الجدل والمناظرة، لغة الشعر والأدب، لغة الشريعة والدين، لغة

القضاء والأحكام، لغة القرآن الكريم. وهي بعد لم تفقد من هذه الخصائص والمزايا

إلا قليلا، وما كانت سعادتها وشقاؤها إلا بإقبال أبنائها وإدبارهم، فإن هم كانت لهم

دولة في الملك والعلم ضمت اللغة إلى حضنيها جميع العلوم والفنون، وبسطت

جناحيها على سائر المعاني والأغراض، ولم تقف عند حد كفايتها لحاجات أبنائها، بل

تعدتهم إلى من دان لهم ودخل في عهدهم، وإن دالت دولتهم وأسلم اللغة أهلها

للغريب؛ تقلص ظلها وتقبضت أطرافها، وفترت عن مدافعة ذوي الطول والغلب.

تعتبر ذلك بما دخل العربية من الألفاظ والمبالغات وأساليب التعظيم والتفخيم

من الفارسية والتركية أيام غلبة الديلم والترك والفرس على دولة بني العباس،

واشتقاقهم منها ممالك وإمارات عديدة.

وهي اليوم تغالب عصرا من عصور بؤسها وشقائها هو أشد العصور بأسا

وأصعبها مراسا؛ ليس عصر غلبة أمة على أمة، بل عصر غلبة الغرب على

الشرق، عصر إجلاب الغرب على الشرق بخيله ورجله، وعدده وأساطيله ولغاته

المختلفة وعلومه وفنونه وصنائعه وكتبه وجرائده. دهم الغرب الشرق منذ أكثر من

قرن بهذه القوة التي لا قبل له بها فوقفت العربية أمام هذا القاهر المستأثر بكل خير

ومنفعة وقفة عاجز بائس، وقفة ظمآن على ينبوع عذب لا سبيل له إلى ورده.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٨٤