الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي
] نصر من الله وفتح قريب [[*]
قال الأستاذ الإمام - عليه رضوان الله تعالى -: (يستحيل بقاء الأزهر
على حاله: فإما أن يصلح، وإما أن يسقط) ، وكان - أكرم الله مثواه - باذلا جل
عنايته في إصلاحه؛ حذرا من سقوطه وحرمان المسلمين مما يرجى بإصلاحه، وكان
أقدر من عرفنا من الناس على هذا الإصلاح وسائله ومقاصده، وأحكمهم في تنفيذه،
إلا أنه أخطأ في أمر واحد لولاه لتم له ما أراد من الإصلاح؛ وهو فوق ما طلب منه
ذلك الأمر هو محاولة إصلاحه برضى كبراء شيوخه، واستعمالهم فيه بالإقناع
دون السلطة، إلا ما بدأ به من وضع قانون لإدارته، والسعي في إصدار إرادة من
الأمير به بناء على قرار من مجلس النظار؛ لعلمه أن العمل بدون ذلك متعذر.
ولا محل لشرح ذلك هنا بل موضعه الجزء الأول من تاريخه الذي نعتني بطبعه
الآن، وإنما نريد أن نبين أنه كان يحاول تنفيذ هذا القانون بدون استعانة بسلطة
التنفيذ في البلد؛ بل بمجرد رضى شيخ الأزهر وأعضاء الإدارة.
كان الشيخ حسونة النواوي أول من ولي المشيخة، واختير للعمل بهذا القانون
مع المرحوم وسائر من اختيروا للإدارة، وكان المرحوم هو الذي اختاره، وسعى
لدى الأمير بتعيينه وكيلا للشيخ الإنبابي المرحوم ثم أصيلا، وقد استعان على هذا
ببعض أصدقائه كالمرحوم أمين باشا فكري. ذلك أنه كان يعتقد أن الشيخ حسونة
أمثل الشيوخ وأرجاهم لقبول الإصلاح، علمت ذلك منه أول مقدمي لمصر سنة
1315؛ إذ قلت له: سمعت من بعض مجاوري الأزهر الطرابلسيين أن شيوخ
الأزهر قد امتعضوا من جعل الشيخ حسونة شيخا للأزهر؛ لأنهم لا يعدونه من كبار
العلماء.
فقال: إن كانوا يعنون بذلك أنه لا يقدر على إيراد الاحتمالات الكثيرة في مثل
عبارة جمع الجوامع؛ فهذا صحيح ولكن هذه الاحتمالات التي يوردونها ليست من
العلم في شيء، والشيخ حسونة أمثلهم. وقد دلت التجارب على صدق هذا القول-
ولا ننسى فضل المرحوم السيد علي الببلاوي الذي ظهر من فضله فوق ما كان يظن
فيه - فإن ما جرى على يد الشيخ حسونة أولا وآخرا، لم يجر على يد غيره
مثله.
نعم كان الشيخ حسونة يرجئ بعض ما يقترح المرحوم؛ عملا بالتدريج عن
رأي واعتقاد، ولكنه لم يكن يقرر الشيء ولا ينفذه؛ كما فعل من جاء بعده ما عدا
الببلاوي، وقد تقلب على الأزهر في هذه المدة عدة شيوخ، كان أشهرهم في علوم
الأزهر أبعدهم عن الإصلاح. فالشيخ سليم البشري من أشهرهم لم يجر على يده
شيء، بل كان معارضا لكل شيء فأرضى أمثاله من المحافظين على القديم،
وأغضب طلاب الجديد، والشيخ عبد الرحمن الشربيني أشهرهم على الإطلاق وهو
لم يفعل شيئا، ولم يرض طائفة من الطائفتين.
قلت للأستاذ الإمام مرة: إن قرار مجلس إدارة الأزهر هو كقرار كل مجلس
رسمي وكل محكمة يطالب القانون بتنفيذه ويعاقب على تركه، فلماذا لا تطالب
بتنفيذ هذه القرارات الكثيرة التي يمتنع شيخ الأزهر من تنفيذها بصفة رسمية؟
فلو فعلت هذا مرة واحدة؛ لنفذ كل قرار. فقال: إن هذا لا يكون إلا بسلطة
الحكومة، وإنني أرجو أن لا أدع الحكومة تتداخل في الأزهر ما دمت فيه، فكيف
أكون أنا الذي يدعوها إلى ذلك؟ فنحن ندعو الشيوخ بالإقناع معتصمين بالصبر.
وكان يكره أن يكون (للمعية) أصبع في الأزهر، كما يكره أن يكون
للحكومة يد فيه؛ لاعتقاده أن خير الإصلاح في العلم والدين؛ ما كان بعيدا عن
السياسة فائضا عن اقتناع العلماء به واستقلالهم فيه، ولكن (المعية) ولعت بالأزهر
ولوعا كاد يكون عشقا وغراما، ولما رأت أن تمتعها بهذا المعشوق لا يتم مع وجود
هذا العذول الرقيب، طفقت تناهضه حتى كان ما كان من أمر استقالته من إدارة
الأزهر، وكان ما كان بعده من الخلل في هذا المكان، حتى أدى ذلك إلى إقامة نائب
عن شيخه الشربيني، يدبر الأمر من دونه عدة أشهر ثم إلى استقالته، وإعادة الشيخ