تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسائل، وأنه لم يؤاخذ الشيخ حسن لخطئه فيها، بل لأمر آخر وله أن يكتمه، فهذا

وقت يجب فيه البيان ولا يصح فيه السكوت، والأستاذ في فضله وترويه أهل لذلك.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

جمادى أول - 1325ه

يوليو - 1907م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

منافع الأوربيين ومضارهم في الشرق

(4)

الجمعيات

يرى كثير من العقلاء أن العلة الأولى لارتقاء الأمم هي القوة، وبها سعد

الإفرنج في بلادهم، وبها سادوا على معظم أمم المشرق، فالقوة أساس مدنيتهم،

والسلاح مصدر عزتهم وعظمتهم، وإلا فهم لا يمتازون على غيرهم بالقوى العقلية

ولا بشيء من المواهب الغريزية. وهذه اليابان قد اقتفت آثارهم في العناية بالجندية

وتشييد الأساطيل الحربية، فقهرت أكبر دولة من دولهم، حتى صارت الدول

العزيزة منهم تعتز بمحالفتها، وتخطب مودتها؛ لمكان قوتها بعد أن كانوا يرونها

أنقص منهم في الخلقة، وأقل في استعداد الفطرة، فعلى سائر الممالك الشرقية

أن تتلو في ذلك تلوها، وتقفو في أمر القوة أثرها، ويعارض أصحاب هذا الرأي

العالم الاجتماعي؛ مبينا أن القوة في هذا الزمان تتوقف على أسباب كثيرة، مرتب

بعضها على بعض فلابد من الأخذ بمبادئها؛ لأجل الوصول إلى غاياتها. فما هو

السبب الأول الذي يجب الابتداء به لترقية الأمة ورفعة شأنها؟

يقول المشتغلون بالسياسة: إن سبب ارتقاء أوربا وعزتها، وسيادتها هو

انتظام حكوماتها، وتقيدها بالشورى التي هي ناموس العدل، وينبوع السعادة، فكل

أمة تحب الارتقاء يجب أن توجه عنايتها قبل كل شيء إلى إصلاح حال حكومتها،

بجعلها مقيدة بالشورى والقوانين العادلة. ويقول لهم العالم الاجتماعي: وما هو

السبب المؤدي إلى إصلاح الأمة لحكومتها؟ وهل يتسنى لأمة غير مرتقية أن تفعل

ذلك؟ فكيف يجعل إصلاح الحكومة علة لكل ارتقاء، وهو معلول لنوع من ارتقاء

الأمة لابد أن يتقدمه، فما هو هذا النوع الذي هو السبب الأول للارتقاء أو علة

العلل له؟

يقول علماء التربية: إن العلة الأولى لارتقاء الأمم هي التربية والتعليم،

فكلما انتشرت المدارس، ينتشر فيها وبها ومنها شعاع الارتقاء، وكلما كان التعليم

أعم وأكمل، كان الارتقاء أتم وأشمل، ألم يهد إليك أن بسمرك قال عن قومه

الألمانيين: إنهم انتصروا في فرنسا بالمدرسة؟ والأقوال في إثبات هذا الرأي لا

تحصى، وكم كتبنا، وكتب الكاتبون في بيانه وإظهار برهانه، ولنا في ذلك مقال

مطول بأسلوب المحاورة نشرناه في العدد الثاني من سنة المنار الأولى، بينا فيه أن

سبب جميع أنواع الترقي الصورية والمعنوية، إنما هو التربية والتعليم، وفي هذا

المقال قال أحد أصحاب الصحف: ماذا أبقى صاحب المنار لسائر الأعداد التي

تصدر في المستقبل بعدما جمع في هذا العدد كل شيء، بل قد أعجب الأستاذ

الإمام بذلك المقال، وأجاز كل ما ورد فيه. ولكن العالم الاجتماعي يقول لنا مع ذلك:

إن الأمة لا تتوجه إلى العناية بالتربية النافعة، والتعليم الرافع لها من أفق إلى أفق

أعلى منه، إلا بعد نوع من الارتقاء يتقدم ذلك، فيهدي الأمة إليه، ويقدرها عليه،

فما هو هذا النوع الذي نسميه السبب الأول وعلة العلل؟

ويقول علماء الاقتصاد وأرباب الأموال: إن الثروة مبدأ كل ارتقاء ومصدر

كل إصلاح، فلا مدارس، ولا تعليم، ولا تربية، ولا تنظيم إلا والمال أساسه الذي

عليه يبنى، وقواعده التي عليه يرفع، فعلى الأمة الشرقية التي تطلب رفعة الشان

والعزة والسلطان، أن تبدأ بجمع الثروة التي تمكنها من نشر التربية والتعليم في

الأمة، ومن تنظيم الحكومة وتعزيز الدولة. ويرد عليهم العالم الاجتماعي: إننا لا

ننكر أن المال هو الوسيلة لجميع الأعمال. ولكن جمع المال يتوقف على العدل

والعلم، لا سيما في البلاد التي دخلها الإفرنج العالمون من طرق الكسب ما لا يعلم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٣٨