تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربيع أول - 1325ه

مايو - 1907م

الكاتب: موسى أفندي جار الله الروسي

-----------------

<span class="footnote">

تاريخ المصاحف

(2)

هذا ما وعدنا بنشره مما كتبه صاحبنا موسى أفندي جار الله الروسي قال:

(قال العلماء: أول ما نزل من القرآن {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق

الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم} (العلق: 1-4) ولم

ينزل بعده شيء إلى ثلاث سنوات (وتسمى هذه السنوات زمن فترة الوحي) ، ثم

أخذ القرآن ينزل في تضاعيف عشرين سنة {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على

مكث ونزلناه تنزيلا} (الإسراء: 106) ، ﴿كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا﴾ (الفرقان: 32) ، فمنه ما نزل مفرقا وهو غالب القرآن، ومنه ما نزل جمعا

كالفاتحة، والإخلاص والكوثر وأغلب الأنعام. وكلما نزل عليه صلى الله عليه

وسلم آية أو سورة وسري عنه، كان يقرئ الصحابة ما نزل ويستحفظهم

فيحفظونه على الفور عن ظهر قلب، ويعتنون بذلك تمام الاعتناء؛ لأن الحفظ

الحرفي في عصر الرسالة وزمن النزول كان من أعظم العبادات وأقرب القرب،

وكانوا إذا حفظوا آية من النبي - عليه السلام - يترددون عليه غير مرة؛ ويتلونها

أمامه حتى يزداد تثبتهم من حفظها وأدائها، ويسألونه هل حفظت كما أنزلت حتى

يقرهم عليها، وبعد إتقان الحفظ والتثبت في تمام الضبط، أخذ كل واحد منهم ينشر

ما حفظ: كانوا يعلمونه للأولاد، والصبيان، وللذين لم يشهدوا النزول ساعة الوحي

من أهل مكة والمدينة، ومن حولهم من الناس، فلا يمضي يوم أو يومان إلا وما

نزل محفوظ في صدور جماعة غير محصورين، وقد عين جماعة عظيمة من

الصحابة على حفظ القرآن وإقرائه، وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إلى

المدينة قبل الهجرة جماعة من حفظة الصحابة؛ يعلمون القرآن لأهل المدينة

وأولادها، وكان الرجل إذا هاجر إلى المدينة دفعه النبي- عليه السلام -إلى رجل

من أولئك الحفظة يعلمه القرآن، ولما فتح مكة ترك فيها معاذ بن جبل لذلك. وكان

من أكابر الصحابة - وهم ألوف- من يعتني بتعرف فقه القرآن ومعانيه وإتقانه

حفظا وكتابة. كانوا لا يأكلون نهارهم، ولا ينامون ليلهم باهتمامهم واشتغالهم بضبط

الآيات وحروفها ووجوهها، وكان بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم صيحة

وزجل بتلاوة القرآن، وكان النبي يسمع إلى الملأ منهم، ويحمد الله على أن جعل

في أمته أمثالهم.

وبمثل هدا الاهتمام التام لإتقان القرآن في صدر الإسلام، حفظه ألوف من

الصحابة في تضاعيف عشرين سنة.

وحيث إن القرآن كان ينزل مفرقا منجما، ويحفظه الذين يعتنون به على مهل

ومكث في تضاعيف سنوات كثيرة، وذلك أعون في الحفظ وأيسر للذكر. وأكثر

من حفظه كان شرع في حفظه من صباه، وزد عليه ما كان للنبي - عليه السلام -

المعصوم من نسيان القرآن، من كمال الاعتناء والاهتمام بالترغيب في حفظه،

والأمر بتعاهده، فكل من تأمل أدنى تأمل، يتبين ويقطع أن القرآن قد حفظ في

الصدور بتمام الإتقان وأرسخ الحفظ وأتم الضبط وكامل البيان، وقد نطقت

الأحاديث، ودلت الآثار على أن النبي- عليه السلام - كان يوقف أصحابه على

ترتيب آيات السور، ويعلمهم مواضعها من السورة نصا، وكان يقرأ السورة في

الصلوات وغيرها، ويسمعونه فيعرفون من ذلك ترتيب الآيات، فالصحابة ضبطت

عنه عليه السلام ترتيب آي كل سورة ومواضعها، كما ضبطت عنه نفس الآيات

وتلاوتها. وكانت السورة مرتبة لحديث أحمد وأبي داود في تحزيب القرآن، وحديث

(واثلة) في إعطاء السبع الطوال والمئين والمثاني؛ بدل الكتب الثلاثة السماوية

والتفضيل بالحواميم والمفصل، والأحاديث تدل على أن النبي- صلى الله عليه

وسلم - كان يختم القرآن وأن الصحابة كانوا يختمون عنده عدة ختمات، وكل ذلك

يدل دلالة واضحة على أن القرآن كان محفوظا في صدور ألوف من الصحابة،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٧٣