تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد توفيق صدقي

-----------------

<span class="footnote">

القرآن والعلم

(2)

تفسير من اللغة والتاريخ والجغرافيا والطب

في رد الشبهات التي يوردها الإفرنج على بعض آيات الكتاب العزيز

المسألة الثالثة

(ذو القرنين ومطلع الشمس ومغربها)

قال الله تعالى في قصة ذي القرنين: {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها

تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما} (الكهف: 86) إلى قوله: {حتى إذا

بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} (الكهف:

90) .

تقول العرب: بلغ فلان مغرب الشمس , أو وصل إلى المشرق إذا سار إلى

أقصى ما عرف لهم من المسكونة في جهتي الشرق والغرب , فكان الكلام على تقدير

مضاف؛ أي: وصل فلان إلى أرض المغرب أو أرض المشرق , ومعنى ذلك أنه

وصل إلى آخر أرض تغيب عنها الشمس , أو إلى أول أرض تشرق عليها بحسب

علمهم , وإلى الآن تقول جميع الأمم الراقية: (بلغ فلان الشرق الأقصى) إذا سافر

إلى بلاد اليابان أو إلى بلاد مراكش. ويسمون هذه البلاد: الشرق أو المشرق وبلاد

الغرب أو المغرب , ولا يعنون بذلك سوى أنها أول بلاد من الدنيا القديمة تشرق

عليها الشمس , وآخر بلاد تغرب عنها؛ فمعنى قوله تعالى: {حتى إذا بلغ مغرب

الشمس} (الكهف: 86) أنه وصل إلى آخر أرض معروفة للعرب تغيب عنها

الشمس ويسمونها المغرب.

ومهما كان الإنسان عالما فإنه لا يتحاشى أمثال هذه التعابير المعهودة للبشر ,

فكذلك القرآن الشريف فإنه جرى عليها , وكذلك كل كتاب ولو كان في الفلك أو

الجغرافيا الحديثة ﴿وجدها تغرب في عين حمئة﴾ (الكهف: 86) أي: خيل له

أنها تغرب في العين , كما يخيل ذلك لكل من وقف على ساحل البحر وقت الغروب

فإنه يرى الشمس كأنها تغيب في البحر؛ ولذلك نسب القرآن الأمر إلى وجدان ذي

القرنين؛ فقال: ﴿وجدها﴾ (الكهف: 86) ولم يقل مثلا: (حتى إذا بلغ مغرب

الشمس رآها وهي تغرب في العين) أو نحوه مما يفيد أنها تغرب فيها حقيقة.

والعين: كل ماء جار , كما في قوله تعالى {فأخرجناهم من جنات

وعيون} (الشعراء: 57) أي: أنهار جارية وكقوله في وصف الجنة {فيها عين

جارية} (الغاشية: 12) وقوله: ﴿حمئة﴾ (الكهف: 86) معناه ذات طين

أسود , وفي قراءة (حامية) أي: ساخنة ولعل سخونة الماء ناشئة عن وجود ينبوع

حار خارج من جوف الأرض بجوارها , وإذا كان المراد مياه المحيط فقد تكون

سخونتها ناشئة عن التيارات المائية الآتية من خط الاستواء كما هو معروف

للمطلعين على علم الجغرافية , فإن المحيط الأطلانطيقي ينطبق عليه هذان الوصفان

وهو كونه ذا طين أسود , وكون بعض مياهه ساخنة , فلعل ذا القرنين وصل إليه

بسيره إلى نهاية أفريقية من جهة الغرب. فإن تيار الخليج STREAM GULF

الآتي من ساحل أمريكا عند خط الاستواء ينقسم وهو ذاهب إلى الشمال إلى قسمين:

قسم يصعد إلى أوربا , وقسم ينزل إلى ساحل أفريقيا الغربي ولون مائه أسود , وهو

ساخن (فإن درجة حرارته لا تقل عن 85 بمقياس فرنهيت) .

ثم قال: {حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من

دونها سترا} (الكهف: 90) والمعنى أنه سار إلى أرض المشرق حتى وصل

إلى أول أرض تطلع عليها الشمس؛ أي: بحسب ما تعرف العرب من المسكونة ,

ولعل ذا القرنين وصل إلى جبل عال من جبال آسيا ظن أنه نهاية الأرض , أو

وصل إلى ساحل الهند الشرقي فظن أنه نهاية العالم , فلما وصل إلى تلك الجهة التي

تسميها العرب مطلع الشمس أو المشرق وجد الشمس أول ما تطلع تطلع على قوم

عراة الأبدان , ليس لهم من دون الشمس وقاية , وهذا هو حال الأمم المتوحشة

الساذجة.

واعلم أن أمثال هذه السياحات أو الفتوحات الكبيرة معهودة في تواريخ القدماء

كالإسكندر المقدوني وغيره , وكان يتيسر لهم ذلك لعظم قوتهم , وضعف الأمم

المجاورة لهم وبساطتهم , وقلة عددهم بالنسبة لهم , فكان يسير الفاتح العظيم منهم

بجيشه الجرار , ولا يجد في كثير من الجهات أدنى مقاومة , أو إذا وجد تكون في

الغالب ضعيفة.

والغالب أن ذا القرنين هذا المذكور في القرآن هو أحد ملوك اليمن الحميريين ,

فإن العرب لا يعرفون ملوك غيرهم من الأمم , وما كانوا يسألون النبي عليه

السلام عنها , و (ذو) لفظة عربية محضة وردت كثيرا في ألقاب العرب أهل

اليمن كذي يزن وذي كلاع وذي نواس.

ونقل عن ابن عباس أنه سئل عن ذي القرنين المذكور في القرآن , فقال: هو

من حمير. وقال أحد شعراء الحميريين:

قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا علا في الأرض غير مفند

بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب ملك من كريم سيد

وكل ذلك يؤيد أن العرب ما سألوا النبي إلا عن ذي القرنين هذا المعروف

عندهم , ونظرا لاندراس التاريخ القديم عموما وخصوصا تاريخ العرب الأقدمين ,

ولعدم الثقة بأكثر ما جاء فيه من القصص , ولعدم اهتمام الأمم المتأخرة بشأن أهل

اليمن لم يشتهر أمر هذا الفاتح الكبير بين الأمم الأخرى , والمظنون أنه كان على

زمن الخليل إبراهيم عليه السلام.

قيل: إن اسمه الصعب بن الرايش. وقيل: إنه أبو كرب شمس بن عبير بن

أفريقش، وكان ملوك اليمن يلبسون تاجا له قرنان الغالب أنهم اقتبسوه من ملوك

مصر. وأول من لبسه اشتهر بينهم بلقب ذي القرنين من أجل ذلك.

وفي التاريخ القديم آثار كثيرة يدل على أن أهل اليمن كانوا قد بلغوا شأوا

كبيرا من القوة والعظمة , وأنهم تغلبوا على أقاصي البلاد , وغزوا بابل، وبلغوا

الهند، وفتحوا بلاد الفرس ويسمى غزو العرب لبلاد فارس في أحاديث الفرس

(غزو ذو حاق) , وكان ذلك قبل الميلاد بأكثر من 2000 سنة , وقد أغار أهل

اليمن أيضا على بلاد المغرب، وفتحوا مصر , واستوطنوها، ويسمون فيها

بالهكسوس.

فلا يبعد أن يكون ذو القرنين المذكور في القرآن هو أكبر ملوكهم الفاتحين ,

وقد بلغ ملكه أو سيره أقصى ما كان معروفا إذ ذاك من بلاد المشرق والمغرب , وقد

بنى سدا بين جبلين في جهة الشمال لا يعرف الآن موضعه؛ لمنع يأجوج ومأجوج

من التعدي على الأمم المجاورة لهم , وهما قبيلتان شهيرتان من القبائل القديمة

المتوحشة , وقد ورد ذكرهما أيضا في كتب أهل الكتاب (تك10: 2وحز38: 2

و3) .

وإذا علم الإنسان أن أكثر بقاع الأرض لم تطأها أقدام أحد من السائحين

الباحثين أو الجغرافيين , وإذا تذكر ما عرض لهذا السد من التغيرات الطارئة عليه

من الصدأ , ومن هبوب الرياح , ونزول الأمطار , ورسوب التراب وغيره عليه بل

ربما تغطى بأشياء كثيرة مما يحملها سيل المياه على الجبال , إذا تذكر كل ذلك أدرك

شيئا من أسباب عدم عثور أحد على مثل هذا السد , وربما إذا رآه أحد الآن لا يمكنه

أن يميزه عن سائر الجبل , فقد يكون مغطى بطبقة حجرية مما أذابتها المياه ,

وحملتها إليه، فجفت عليه.

فإذا جاء يوم القيامة اندك هذا السد كما تدك جميع الجبال كما قال القرآن

الشريف: ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا﴾ (الكهف: 98) .

هذا ومن تذكر إغارة المغول (التتار) وهم نسل يأجوج ومأجوج في القرن

السابع الهجري على بلاد المسلمين والنصارى , وما أتوه من الإفساد في الأرض ,

وما أوقعوه بالأمم المختلفة من القتل والسبي والنهب - أمكنه تصور حصول هذا منهم

مرة أخرى قبل مجيء الساعة , كما قال القرآن الشريف: {حتى إذا فتحت يأجوج

ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار

الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين} (الأنبياء: 96-97)

ولا مانع من أن يكون ما حصل منهم سابقا هو الذي أراده القرآن في هذه الآية

ويكون قوله: ﴿واقترب الوعد الحق﴾ (الأنبياء: 97) كقوله: {اقتربت الساعة

وانشق القمر} (القمر: 1) على أن الانشقاق حصل في عصر النبي محمد صلى

الله عليه وسلم , وهو تعبير معهود في الكتب المقدسة إذا أنبأت عن الحوادث

المستقبلة.

* * *

المسألة الرابعة

(يحيى بن زكريا)

قال الله تعالى: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل

سميا} (مريم: 7) . يقولون: إن يحيى هو يوحنا عند أهل الكتاب , ويوحنا هذا

اسم شهير عند اليهود سمي به كثيرون قبل ابن زكريا؛ فكيف يقول القرآن: {لم

نجعل له من قبل سميا} (مريم: 7) ؟ ؟

ونقول لا نسلم بأن لفظ يحيى في القرآن هو تعريب لفظ يوحنا عندهم؛ لأن

يحيى من الحياة , ويكتب في العبرية هكذا () , وينطق: يحييه , وأما (يوحنا) فهو

الصيغة اليونانية للفظ (يوحنان) العبري , ومعناه: (يهوه حنون) أي: الله حنون.

فهو إذا من الحنان لا من الحياة , وعليه يكون لفظ يحيى غير يوحنا , ووجود

شخص مسمى باسمين كثير جدا , وقد يكون الاسم الثاني لقبا له , وأمثلة ذلك في

كتب العهدين كثيرة جدا؛ منها أن اسم بطرس: سمعان واسم تداوس: لباوس ,

وهما من تلاميذ المسيح (راجع متى 10: 2و3) وكان النبي عليه السلام يغير

كثيرا من أسماء أصحابه , فيشتهرون بما سماهم به رسول الله , وعند جميع الأمم

يوجد أشخاص لهم أكثر من اسم.

هذا إذا لم نقل إن تسمية ابن زكريا في العهد الجديد بيوحنا هو من خطأ

مؤلفي الأناجيل باللغة اليونانيه؛ إذ يجوز أنهم لم يحسنوا نقل اسمه الحقيقي

(يحييه) إلى لغتهم.

ويحتمل أن الاسم الذي بشر الله به زكريا هو (يحيى) ولما اشتهر عن

يحيى الشفقة والحنان بالناس كما قال القرآن في وصفه: ﴿وحنانا من لدنا﴾ (مريم:

13) صاروا يلقبونه بيوحنا حتى شاع بينهم ذلك أكثر من اسمه الأصلي الذي

سماه الله به.

وهناك وجه آخر في تفسير عبارة القرآن الشريف. وهو أن زكريا طلب من الله

وارثا له من نسله خوفا من مواليه , فبشره الله بأن سيكون له ولد , وسيكون اسمه

يحيى , وقال له: إن هذا الاسم لم يسم به أحد قبله؛ أي: بينهم في أهله

وعشيرته , كما قال إنجيل لوقا (1: 61 فقالوا لها - أي: لأمه - ليس أحد في

عشيرتك تسمى بهذا الاسم) فقوله تعالى: ﴿لم نجعل له من قبل سميا﴾ (مريم:

7) أي: في أهل زكريا الذين كان الكلام معه في شأنهم والخطاب له فيمن يرثه منهم

إذا سلم أن لفظ يحيى هو عين يوحنا , وأنه تعريب له.

على أنه قد يكون المراد بالسمي السمي الحقيقي؛ أي: إنه لم يسم أحد قبل

يوحنا بهذا الاسم , وكان مثله في صفاته العالية وأخلاقه الطاهرة , فكل من سمي

قبله به ما كانوا يستحقونه؛ لأنهم لم يصلوا إلى درجته في الشفقة والرحمة والحنان ,

وقد ورد لفظ السمي في القرآن بهذا المعنى أيضا في سورة مريم التي منها هذه

الآية التي نحن بصدد الكلام عليها , فقال تعالى: {رب السموات والأرض وما

بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} (مريم: 65) أي: سميا حقيقيا ,

وإلا فقد اتخذ آلهة أخرى من دون الله كثيرون.

* * *

المسألة الخامسة

(السامري والعجل)

قال الله تعالى: ﴿فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى﴾ (طه: 88) إلى قوله: {قال فما خطبك يا سامري * قال بصرت بما لم

يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي} (طه:

95-96

) .

رجحنا في (مقالات الدين في نظر العقل الصحيح) أن لفظ السامري علم

لشخص من بني إسرائيل يسمى بلغتهم شمري وهو اسم مشهور عند قدمائهم. انظر

مثلا سفر أخبار الأيام الأولى (4: 37 و11: 45 و26: 10) ولما عرب هذا

الاسم أبدلت الشين المعجمة بالسين المهملة , كما هي العادة في تعريب العبري ,

وأدخلوا عليه (أل) كما أدخلوها على غيره من الأعلام المعربة كلفظ (الجودي)

وهو اسم جبل , ولفظ (السموأل) وهو علم لأحد نابغي شعراء اليهود من العرب.

وتسمى زيادة (أل) في مثله زيادة لازمة , كما يقول النحاة. وهو معرب من

لفظ (شموئيل) والتغيير الذي حدث فيه كالذي حدث في لفظ (شمري) فأبدلت

الشين سينا , وزيدت عليه (أل) مع تغيير طفيف في الكلمة. وهذه التغيرات

شائعة في جميع اللغات في أسماء الأعلام المنقولة إليها , فانظر الفرق بين لفظ

بختنصر وأصله (نبوخذ ناصر) , ولفظ عيسى وأصله يشوع.

وغير ذلك كثير جدا , يعرفه المطلعون على بعض اللغات الأجنبية ,

وما فيها التغيير والتحريف في الأعلام.

واعلم أن لفظ السامري الوارد في القرآن كانت تكتبه العرب (السمري) وكذلك كتب في مصاحف عثمان التي أرسلها إلى الآفاق. ولعل في ذلك لإشارة إلى أصله العبري الذي ذكرناه هنا , وإن كانوا ينطقونه السامري. وليست الياء فيه للنسبة بل هي كالياء في لفظ الجودي بالتشديد وأصله جوردي بدون تشديد.

قال تعالى: ﴿فأخرج لهم﴾ (طه: 88) أي: صنع لهم السامري {عجلا

جسدا} (طه: 88) أي: تمثال عجل , ولكنه جسد بلا روح , فإن لفظ الجسد

يطلق غالبا على الحي إذا مات أو ما كانت صورته صورة الحي , ولكنه جماد كهذا

العجل الذي صنعه السامري من الحلي وكتماثيل الحيوانات , فإنها كأجسادها بعد

الممات لا حياة فيها. ﴿له خوار﴾ (طه: 88) أي: صوت يشبه صوت العجل ,

ولعله توصل إلى ذلك بالصناعة مع الحيلة كأن يضع فيه ما يشبه المزمار , ويسلط

عليه آلة نافخة لا يشعر بها الناظرون.

وأمثال هذه الحيل كثيرة يفعلها الدجالون في كل زمان ومكان.

ثم قال تعالى: ﴿قال فما خطبك يا سامري﴾ (طه: 95) أي قال له موسى:

ما شأنك؟ وما الذي حملك على ما فعلت؟ ﴿قال بصرت بما لم يبصروا به﴾ (طه: 96) أي: علمت ما لم يعلموا وأدركت ما لم يدركوا {فقبضت قبضة من أثر

الرسول} (طه: 96) أي: أخذت بشيء من تعاليم هارون الذي استخلفته فينا ,

واقتفيت أثره فيها , فلم يرق لي شيء منها. وسمى هارون بالرسول؛ لأنه هو

وموسى كانا يسميان كذلك بين بني إسرائيل , فإن الله قال لهما: {فقولا إنا رسولا

ربك} (طه: 47) , وعدم اعتقاد السامري بصحة هذه الرسالة لا ينافي أن يقول

ذلك من باب التهكم كما كانت قريش يتهكمون على رسول الله , ويقولون له: {ما

لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} (الفرقان: 7) , ثم قال السامري:

﴿فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي﴾ (طه: 96) أي: فرفضت ما أخذته من تعاليم

هارون بعد تجربتي له , وهذا ما مالت إليه نفسي التي علمت ما لم يعلم غيري.

هذا هو التفسير الصحيح الذي يتبادر من هذه الآيات , ولا يمكن لأي عربي أن يفهم

منها سواه , لولا ما حشاه به أكثر المفسرين من الخرافات , وهو يقارب ما ذهب إليه

محقق المفسرين أبو مسلم الأصفهاني وارتضاه منه فخر الدين الرازي وعززه.

قال له موسى: {فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا

لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه} (طه: 97) أي:

لنبردنه. ويؤيده قراءة (لنحرقنه) بفتح النون وكسر الراء وضمها خفيفة {ثم

لننسفنه في اليم نسفا} (طه: 97) .

فإن قال قائل: ما بال القرآن في الكلام على هذا العجل يأتي بما يحتمل أنه

كان حيا , وإن كان ذلك بعيدا من عبارته؟

قلت: جرت عادة القرآن في أمثال هذه المسائل العرضية البسيطة أن يأتي

بالتعبير الذي لا يصادم اعتقاد الجمهور مصادمة لا تقبل التأويل حتى لا يكون

ذلك صادا لهم عن النظر فيه أو شاغلا لهم عن البحث فيما أتى به من جوهر الدين ,

كما هي طريقة الحكماء.

فالظاهر أن أهل الكتاب من العرب كانوا يعتقدون أن هذا العجل صار حيا ,

وربما كان عندهم من رواياتهم وأحاديثهم ما يحملهم على هذا الاعتقاد , فلم يرد القرآن

أن يشتغل معهم بأمثال هذه التفاهات , فأتى لهم بما لو سمعوه لقبلوه , وما لو سمعه

العلماء المحققون لأدركوه , وفهموه؛ ولذلك تراه مثلا ينص على دوران الأرض

بقوله: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن

كل شيء} (النمل: 88) في سياق يحتمل أن يكون ذلك مما يحصل يوم القيامة وإن

كان ظاهر الآية يبعد عن الاحتمال الذي لا يزال مقبولا عند الجهلاء على أن

معنى الآية الصحيح لا يخفى على العلماء. فإن القرآن قد أتى للعامة والخاصة

والمنحطين والمرتقين , فلذا تنوعت أساليبه , وسحر بيانه عقول الجميع , وبذلك لم

يخطئ الغرض، ولم يشتغل عن الجوهر بالعرض.

* * *

المسألة السادسة

(تكون الجنين)

قال الله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في

قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا

العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم إنكم بعد ذلك

لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} (المؤمنون: 12 - 16) .

اشتملت هذه الآيات على جميع أطوار الإنسان في حياته , وما يمر به من

التغيرات , من أول وجوده إلى يوم بعثه.

(الطور الأول)

﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ (المؤمنون: 12) أول الأحياء

في هذا العالم لا شك في أنه خلق من مادة الأرض مباشرة , ثم ارتقت الحال بعد ذلك

فصارت الأحياء تتكاثر بانقسام الخلايا , ثم بالتلقيح الذي يعقبه الانقسام (ومعنى

التلقيح اختلاط عنصر الذكر بعنصر الأنثى) فإن الإنسان في طوره الأول كان

طينا , وإذا نظرنا إلى الإنسان من جهة أخرى وجدنا أن الحيوانات المنوية

والبويضات التي يخلق منها الإنسان مخلوقة من الدم , والدم من الغذاء , والغذاء من

الحيوان والنبات , وكلاهما من الأرض؛ أي: الطين.

(الطور الثاني)

﴿ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾ (المؤمنون: 13) النطفة: الإفراز ,

فتطلق على المني , ولا مانع من إطلاقها أيضا على بويضات المرأة التي يفرزها

المبيضان [1] , ولم يذكر القرآن بويضات المرأة صريحا؛ لأن ذلك غير معروف

لجماهير الناس , وهو لم يأت لتعليمهم أمثال هذه الأشياء , وإنما هو يؤيد قضاياه بما

يعرفونه ولا ينكرونه , واكتفاؤه بذكر المني دون غيره في أكثر المواضع لا يدل

على أن الإنسان لا يخلق من شيء آخر معه؛ إذ ليس في عبارته ما يدل على

الحصر؛ فالطور الثاني طور النطفة وهي من الرجل ما فيه الحيوانات المنوية ,

ومن الأنثى ما فيه البويضات , فإذا حصل التلقيح بدخول رأس الحيوان المنوي في

البويضة استقرت في الرحم.

والمراد بالقرار المكين: أعضاء الأنثى الداخلة (البوقان والرحم) وهي التي يحصل فيها التلقيح ثم التكوين. ولا شك أن حيوان الذكر وبويضة الأنثى يسبحان قبل التلقيح وبعده في قليل من سائل مخصوص ومجموع ذلك هو النطفة , وهي التي

تستقر في الرحم.

(الطور الثالث)

﴿ثم خلقنا النطفة علقة﴾ (المؤمنون: 14) وذلك بانقسام البويضة بعد

التلقيح بالحيوان المنوي إلى أقسام كثيرة , تكون كتلة صغيرة تشبه العلقة

وخلاياها كلها متشابهة.

(الطور الرابع)

﴿فخلقنا العلقة مضغة﴾ (المؤمنون: 14) , وهي قطعة أكبر من العلقة

قدر ما يمضغ في الفم مركبة من عدة خلايا ناشئة من انقسام البويضة الأصلية

بعد تغذيتها في جدر الرحم , وما أحيطت به من سوائل زلالية.

(الطور الخامس)

﴿فخلقنا المضغة عظاما﴾ (المؤمنون: 14) أي: حولنا بعض خلايا المضغة

التي كانت كلها متشابهة إلى خلايا أخرى تصير بالتدريج بعد هذا التنويع عظاما.

(الطور السادس)

﴿فكسونا العظام لحما﴾ (المؤمنون: 14) أي حولنا الجزء الباقي من المضغة

إلى أنسجة رخوة , ذات خلايا مغايرة في شكلها للخلايا الأصلية, وهذه الأنسجة

تكون كاسية للخلايا الآخذة في التحول إلى عظام , فبينما تجد بعض الخلايا يتحول

إلى عظام تجد البعض الآخر يتحول إلى لحم وشحم وغيره يكسو هذه العظام.

(الطور السابع)

﴿ثم أنشأناه خلقا آخر﴾ (المؤمنون: 14) أي: بعد تمام خلقته وولادته

يصير بالتدريج إنسانا عاقلا مدركا مفكرا بعد أن كان لا يعلم شيئا كما قال تعالى:

{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار

والأفئدة} (النحل: 78) الآية , فالشيء الذي كنت تراه لا يدرك وجود نفسه

يصبح محيطا بالكون بعقله ويخترق الحجب بفكره ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (المؤمنون: 14) . وعبر هنا بثم؛ لتراخي ذلك عن زمن تمام التكوين.

(الطور الثامن والتاسع)

﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ (المؤمنون: 15-

16) فهذه هي الأطوار الإنسانية التي تستفاد من هذه الآيات الشريفة.

ويجب الاعتراف هنا بأن هذه الآيات لم تصف هذه الأطوار بالتفصيل كما

يصفها الفسيولوجيون , وإنما وصفتها بإجمال خال من الوهم والخطأ , داع إلى

التفكر في قدرة الله , والتدبر في أعماله وهو ما يريده القرآن الشريف , ولا يريد

تدريس علم تكون الجنين للناس ولا غيره من العلوم الدنيوية , فلذا لا ينتظر من مثل

هذا الكتاب العزيز أن يدخل فيما ليس من غرضه الإطناب فيه؛ لأن الناس يصلون

إليه من غير طريق الوحي.

* * *

المسألة السابعة

(ميراث بني إسرائيل الأرض من بعد فرعون)

قال الله تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك

وأورثناها بني إسرائيل} (الشعراء: 57-59) ومن المعلوم أن بني إسرائيل

من بعد غرق فرعون وقومه لم يرثوا أرض مصر , بل خرجوا منها فما معنى هذه

الآية إذا؟ .

ذهب محققو المؤرخين إلى أن فرعون موسى هو منفتاح بن رمسيس الثاني ,

وقد خضعت بلاد الشام لمصر في عهد رمسيس الثاني , وكان من عادته أن يبقي

فرقة من العساكر المصرية في البلاد التي يفتحها؛ ليستوطنوها , ولينشروا فيها

عاداتهم وأخلاقهم , فكانت بلاد الشام مستعمرة تابعة لمصر ومحتلة بجزء من جيشها

وكان المصريون يجنون من خيراتها , ويتمتعون بها , وبعضهم يذهب إليها ليقيم

فيها تحت رعاية دولته كما يفعل الأوربيون الآن في الممالك التي يستعمرونها , ودام

الحال كذلك إلى عهد منفتاح بن رمسيس هذا , وفي عهده كان خروج بني إسرائيل

من أرض مصر.

إذا علمت ذلك؛ فاسمع تفسير ما قال الله في القرآن الشريف: {فأرسل

فرعون في المدائن} (الشعراء: 53) التابعة له كبلاد مصر والشام ﴿حاشرين﴾ (الشعراء: 53) يجمعون إليه جيشه وقومه المستوطن في هذه البلاد , قائلا لهم:

﴿إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع حاذرون﴾ (الشعراء: 54 - 56) , ثم قال تعالى: ﴿فأخرجناهم﴾ (الشعراء: 57) أي:

المصريين ﴿من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم﴾ (الشعراء: 57-58) في

مصر والشام ﴿كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ (الشعراء: 59) أي: أورثناهم ما

كان يتمتع به المصريون من جنات الشام وعيونها وكنوزها ومقامها الكريم , فإن ذلك

قد آل إلى بني إسرائيل؛ ولذلك قال تعالى في آية أخرى في هذا الموضوع:

{وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها

وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل} (الأعراف: 137) , والأرض

التي بارك الله فيها هي أرض الشام كما جاء في آيات أخرى كثيرة في القرآن

الشريف كقوله: ﴿ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾ (الأنبياء:

71) وقوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد

الأقصى الذي باركنا حوله} (الإسراء: 1) , فأنت ترى من هذا أن آيات القرآن

في هذا الموضوع يفسر بعضها بعضا , وأن المراد من ميراث بني إسرائيل لما

تركه المصريون هو ما كان ببلاد الشام.

(للمسائل بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: النطفة في الأصل: الماء , أو كل سائل فيصح إطلاقه على ماء الرجل الذي فيه الحيوانات المنوية وعلى ماء الأنثى الذي فيه البويضات إذ كل منهما سائل.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١١ · الصفحة ٢٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١١ · ص ٢٨١