مطالب مسلمي روسيا من دولتهم
تتمة رسالة الشيخ رضاء الدين
الكلام على المادة الثامنة
نحن نعبر هنا عما أتى في هذه المادة (بالخصومات العائلية) توخيا للسهولة.
وفي الواقع أن هذا الخصومات لا تعدو البيوت (العائلات) في الغالب، وهي
تفارق الخصومات الأخرى بوجوه عديدة. لاجتهاد المجتهد دخل كبير في سائر
الخصومات، وكثيرا ما يعول القاضي في فصلها عليه. وأما الخصومات العائلية:
فمعظمها - إن لم نقل كلها - يرجع في فصلها إلى الكتاب والسنة فقط. وتقسيم التركة
مثلا لا حاجة فيه إلى الاجتهاد بالمرة، وإنما العمدة فيه الكتاب والسنة. أو نقول: إن
الحاجة فيه الى الاجتهاد شاذة نادرة.
ليست محاولة الحكومة الروسية أخذ فصل الخصومات العائلية من أيدي قضاة
المسلمين وتسليمها إلى المحاكم المدنية أمرا حديثا. بل يظهر من مطالعة كتاب
(رحلة تركستان) لرجل يقال له: (شيللر) أن الحكومة همت بهذا الأمر قبل اليوم
بثلاثين سنة، غير أنه قد عرض حينئذ في سبيل إتمامه عوائق، اضطرتها إلى
إرجائه إلى يوم يواتيها.
لا أرى وسيلة معقولة تتوسل بها الحكومة إلى سلب قضاة المسلمين حق فصل
(الخصومات العائلية) سوى زيادة هضم حقوق المسلمات، وعدم اقتدار علماء
المسلمين على تلافي هذا الخلل في الحكم والقضاء.
إذا فاجأتنا الحكومة قائلة: أيها المسلمون، قد عم وطم بينكم ظلم النساء
والإجحاف بحقوقهن، وقضاتكم لا يفكرون في إصلاح هذا الخلل، والخطب يتفاقم
يوما فيوما، أفيجدينا نفعا أن نجاوبها قائلين: نحن برءاء مما تتهمينا به؟ أو أن
نقول: ليبق الأمر بأيدينا، ولو كانت الحال كما تقولين: كلا.
إن رجال الحكومة لا تخفى عليهم خافية من شؤوننا؛ لأنهم يراقبوننا بقلوب
متيقظة وعيون ساهرة، وإن كنا نخالهم غافلين عنها. نعم، إن العرائض التي ترفع
إلى المقامات العالية من قبل المسلمات قليلة بالنسبة إلى عدد النفوس. غير أن قلتها
لا تصلح أن تكون دليلا على قلة وقوع الظلم عليهن؛ لأن المسلمات في هذه البلاد
متحجبات، لا يمكنهن التظلم والتشكي من حالهن بأنفسهن. وفريق منهن يزجين
الأيام في العذاب الأليم والشقاء الدائم متسليات بإحالة الأمور إلى القضاء والقدر.
فإبقاؤهن على هذه الحالة التعيسة جدير بأن يعد ضربا من الظلم، وعدم
الاكتراث بشأن هؤلاء المسكينات. مطالبتنا الحكومة بما في هذه المادة، كما هو
تشبه قولنا لها: لا يهمنا أمر المسلمات وإنصافهن، وإنما يهمنا بقاء الأمر بأيدينا،
ولا أظن الحكومة تقنع لنا بمثل هذه المطالبة العارية من كل حجة وبرهان.
لا يقل الظلم والحيف، ولا يكون الناس آمنين من قبل حكامهم، إلا إذا كان
القضاة الشرعيون يراعون مقاصد الشريعة العادلة، وكانت القوانين التي يعول عليها
في الحكم وطيدة الأركان ثابتة البنيان، وفصلت الدعاوي بالعدل وتحري منهج
الإنصاف.
إذا كانت القوانين ملائمة لمعاملات الناس وحالاتهم الاجتماعية، فلا جرم أنهم
يعيشون سعداء من هذه الجهة. وأما إذا كانت على العكس، فلا تزيد أمورهم إلا
ارتباكا واختلالا.
لا بد في وضع علم الحقوق من ملاحظة عادات الناس وطرق معاملاتهم، سواء
كان مبنيا على أساس الوضع الإلهي، أو على أساس العقول السليمة والآراء
الصائبة.
وغني عن البيان أن عادات الناس وأساليب معاملاتهم تتغير على اختلاف
الأعصار، وتحول الدول.
وهذا التغير الدائم يقضي بتبدل بعض قوانين الأزمنة الغابرة في الأزمنة
الحاضرة، وبتبدل بعض قوانين الأزمنة الحاضرة في الأيام الآتية. ومن هنا نرى
الدول الأوربية تجدد وتحور قوانينها في كل ربع عصر على الأقل. هذا أمر لا
مندوحة عنه في سير المجتمع البشري.
لا يخفى على المشتغلين بالعلم أن المتون المعول عليها في علم الحقوق
الإسلامية أو في الفقه الإسلامي؛ وضعت قبل اليوم بسبعة أو ثمانية قرون في بغداد