تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجامعة الإسلامية

تكلم اللورد كرومر في تقريره الأخير عن الجامعة الإسلامية كلاما يؤيد الذين

أظهروا يقظة المسلمين في غير شكلها، فرأينا أن ننشر ما كتبه الأستاذ الإمام عن

ذلك في رده الثاني على موسيو هانوتو، وهو لم ينشر في الرسائل المتداولة، ناقلين

ذلك عن الجزء الثاني من تاريخه قال رحمه الله:

شأن المسلمين اليوم، وظهور دعوة فيهم إلى توحيد كلمة المسلمين، وجمع

السلطة الدينية والسياسية في شخص واحد في جميع البلاد الإسلامية.

أؤكد لمسيو هانوتو أن هذه الدعوة لم يوجد لها أثر إلى اليوم في بلد من بلاد

المسلمين، ولو خطا خطوة إلى معرفة أحوالهم على ما هي عليه، ما خطر بباله أن

يشير إلى هذه الدعوى، فضلا عن أن يبني عليها حكما، وإن ما علق بالأوهام منها

فإنما منشؤه سوء فهم بعض مسيحيي الشرق ثم انعكاس ذلك في أذهان سياسيي

المغرب، وقد يكون لسوء نية بعضهم مدخل في تعظيم ما توهم فيها.

وإني أعرض الحقيقة كما هي، لا يغشاها ستار من تمويه، ولا غطاء من

تلبيس، وأرجو أن يكون في هذا البيان ما يقنع مسيو هانوتو بحسن مقاصد المسلمين

اليوم في كلامهم عن الدين، وما يرد أمثال صاحب الجريدة التي نشرت حديثه [1]

إلى رشدهم؛ حتى يتقوا الله في أنفسهم وأهل بلادهم، ولا يتخذ بعضهم من السلم

حربا، ولا من السكون شغبا.

لا أنكر أن طائفا من الدين؛ طاف في هذه السنين الأخيرة بعقول بعض

المسلمين في أقطار مختلفة من الأرض، وإن نسمة من نفس الرحمن مرت بأنفس

قليل من أهل الفضل فيهم فحركت ساكنهم، وأثارت هممهم إلى النظر فيما كان

عليه أهل هذا الدين، وفيما صاروا إليه، وإن منهم من يتكلم بما يرى؛ إذا وجد

سبيلا إلى الكلام، ومنهم من ينشر رأيه في كتاب أو جريدة؛ إذا تهيأت له الوسائل

لذلك. ثم يوجد مقلدون لهؤلاء يقولون ما لا يعلمون، ويهرفون بما لا يعرفون، ولا

كلام لنا في هذر المقلدين، وإنما كلامنا فيما يرمي إليه غرض أولئك الناظرين.

ظهر الإسلام لا روحيا مجردا، ولا جسدانيا جامدا، بل إنسانيا وسطا بين ذلك

أخذ من كل القبيلين بنصيب، فتوفر له من ملائمة الفطرة البشرية ما لم يتوفر لغيره.

ولذلك سمى نفسه دين الفطرة، وعرف له ذلك خصومه اليوم، وعدوه المدرسة

الأولى التي يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية. ثم لم يكن من أصوله أن يدع ما

لقيصر لقيصر، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله، ويأخذ على يده في

عمله. جاء هذا الدين على الوجه الذي ذكرنا فهدى ضالا، وألان قاسيا، وهذب

خشنا، وعلم جاهلا، ونبه خاملا، وأثار إلى العمل كسلا، وأقدر عليه وكلا،

وأصلح من الخلق فاسدا وروج من الفضيلة كاسدا ثم جمع متفرقا ورأب منصدعا

وأصلح مختلا، ومحا ظلما، وأقام عدلا، وجدد شرعا، ومكن للأمم التي دخلت

فيه نظاما امتازت به عن سواها ممن لم يدخل فيه، فكان الدين بذلك عند أهله

كمالا للشخص وألفة في البيت، ونظاما للملك. وظهرت به آثار النعمة عليهم في

جميع شؤونهم، ولم يفت العلم حظ من عنايته، بل كان قائده في جميع وجوه سيره.

فإن شاء قائل أن يقول: إن الدين لم يعلمهم التجارة، ولا الصناعة، ولا

تفصيل سياسية الملك، ولا طرق المعيشة في البيت لم يسعه أن ينكر أنه أوجب عليهم

السعي إلى ما يقيمون به حياتهم الشخصية والاجتماعية، وأوجب عليهم أن يحسنوا فيه

وأباح لهم الملك، وفرض عليهم أن يحسنوا الملكة، وما ظنك بدين يقول خليفته

الثاني - وهو في المدينة من بلاد العرب - (لو أن سخلة بوادي الفرات أخذها الذئب

لسئل عنها عمر) ويقول خليفته الرابع: (أقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين ولا

أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش) أي خشونته، يريد

بذلك أن يساوي المساكين في العيش ليكون قدوة الأغنياء في الإحسان، وأسوة الفقراء

في حسن الصبر.

هكذا كان الإسلام مهمازا للمسلمين؛ يحثهم إلى جلائل الأعمال، ومصباحا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٨٠