تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جمادى الآخر - 1325ه

أغسطس - 1907م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

العسر المالي والربا والبنوك

أصيبت بلاد مصر في هذه السنة بنقص في المال، وعسر في التجارة بالعقار

والعروض، وغلت دونها أيدي أصحاب البيوت المالية في أوربا فأفلس كثير من

الأغنياء فيها، ولم يبق صنف من أهلها إلا وقد ذاق مرارة العسر، ومسه ألم الضر،

وينتظر الناس الآن موسم القطن - الذي تقدر قيمته في السنة بثلاثين ألف ألف

جنيه أو تزيد إلى خمسة وثلاثين - وهم بين الخوف والرجاء - وإنما يخافون أن

يعبث بالموسم الماليون الأوربيون، فيعظم الخطب ويعم الكرب.

لقد صرنا إلى زمن لم يعرف له نظير في التاريخ - زمن يقبض على أعنة

جميع مصالحه ومرافقه وسياسته أصحاب النقود فيصرفونها كيف شاؤوا، زمن صار

فيه العلم بتصريف الأموال من أوسع العلوم وأدقها، زمن صارت فيه الأمم الفقيرة

أذل الأمم، ودولها أضعف الدول، فالمال في هذا الزمان هو أساس القوة والعزة،

وآلة السيادة والسلطة.

يعسر على أمة تبغي النجاح في تحصيل الثروة ومباراة الأمم العزيزة بالغنى

أن تصل إلى ما تريد من ذلك، ما لم تسلك سبل تلك الأمم، وإنها لسبل معبدة: منها

القصد ومنها الجائر. وما الجائر إلا سبيل القمار والربا لا سيما المضاعف أو

المركب، والقمار والربا محرمان في الإسلام تحريما غليظا. فمن ثم كانت الشعوب

الإسلامية اليوم في حيرة، لا تدري كيف تعيش مع هذه الأمم الإفرنجية التي

تنازعها الوجود مع عدم مجاراتها في سبل الثروة، ولا كيف تجاريها مع الاحتراس

من الربا بأنواعه.

لو أن للإسلام دولا قوية، وشعوبا غنية يمكنها أن تستغني عن أوربا، أو أن

تجعلها تابعة لقوانينها، أو تلجئها إلى اتباع مدنيتها؛ لسهل عليها أن تسلك في جمع

الثروة والتصرف فيها مسلكا يقرن المصلحة بالفضيلة؛ فضيلة الرأفة بالبائس الفقير،

وإسعاده في الأمر العسير، وما الحيلة وليس لنا دولة عزيزة قوية، في أمة عالمة

غنية، وأوربا تمتص دماءنا حتى كادت تذهب بلحومنا.

لم يجد حكامنا حيلة لمنع الربا فأباحوه لرعيتهم في قوانينهم، وتعاملت به

دولهم حتى إن السلطان عبد الحميد الذي حرص على لقب الخلافة حرصا لم يسبقه

به سابق، يأكل الربا ويؤكله، ومثله في ذلك أمير مصر. وأكثر المسلمين لا

يأكلون الربا. ولكنهم يؤكلونه فيدلون بأموالهم إلى الأجانب، وذلك شر من أكل الربا

منهم، بل شر الأقسام التي تتصور في معاملة الربا وأشدها ضررا وأعظمها خطرا.

ذلك أن لهذه المعاملة صورا نذكر أهمها ومنه يعلم باقيها - أحدها أن لا تأكل من

أحد ولا تؤكل أحدا - ثانيها أن تأكل من الأجنبي خاصة ولا تؤكل أحدا - ثالثها أن

تأكل من الأجنبي وغيره ولا تؤكلهما - رابعها أن تأكل منهما جميعا وتؤكل الثاني

دون الأول - خامسها أن تأكل منهما جميعا وتؤكلهما كذلك - سادسها أن تأكل منهما

وتؤكل الأجنبي فقط - سابعها أن تؤكل غير الأجنبي ولا تأكل من أحد - ثامنها أن

تؤكل الأجنبي خاصة ولا تأكل منه. فأفضل هذه الأقسام وأشرفها أولها. وأخسها

وأشدها ضررا ثامنها. وما بينهما من الأقسام مرتبة على حسب درجاتها من الضرر

في الأمة، الثالث شر من الثاني وهكذا، وأكثر المسلمين الذين يتعاملون بالربا، قد

اختاروا شرها على الإطلاق، ثم ما يقرب منه.

إذا كان كل ما اشترطه الفقهاء في جواز المعاملات المالية، كالبيع والصرف

والقرض والحوالة والشركة دينا يجب اتباعه في كل زمان ومكان، ويكون التارك

لشيء منه عرضة لغضب الرحمن، فما أشد الحرج على المسلمين في هذا الزمان،

بل ما أكثر الفسوق فيهم والعصيان، فإنه لا يكاد يوجد في الألف أو الألوف من

التجار وغير التجار واحد يراعي تلك الشروط والأحكام في معاملاته، وما ذاك إلا

أن في مراعاتها حرجا شديدا، وعسرا عظيما، وإذا قلت أيضا: إن في معرفتها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٧٣