الكاتب: عالم غيور
-----------------
<span class="footnote">
كلمات عن العراق وأهله
لعالم غيور على الدولة ومذهب أهل السنة
العراق ولا أزيدك به علما من أفضل الأقطار تربة , وطيب هواء , وعذوبة
ماء , وبه أنهار عظيمة كدجلة والفرات ورياله وقارون , تنساب فيه انسياب
الأفعوان، وتخترق منه كل مكان، غير أن أكثره خراب، ينعق فيه البوم والغراب؛
لعسر المواصلات , وفقد الأمن , وحرمانه من نور المعارف والمدنية. والحكومة
فيه كما هي في غيره: عبارة عن شركة سلب ونهب وفساد تعمل في خراب البلاد
وهلاك العباد، وهم في غمرتهم ساهون، وعن الدسائس الأجنبية عمون، حتى
أصبح بر العراق كله متسلحا بالسلاح المارتين مما ترسل به إنكلترا كل حين
بوسائل متوفرة لديها، ووسائط سهلة عليها.
ومن البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق كله حتى أصبح ثلاثة
أرباع أهله شيعيين وذلك بفضل جد مجتهدي الشيعة وطلبة العلوم منهم، ومؤازرة
الحكومة لهم، بأخذها على يد أهل السنة عن مقاومة سعيهم، وخفض كلمتهم، وفي
النجف مجتمع مجتهدي الشيعة وفيه من طلبة العلوم ستة عشر ألفا. ودأبهم أنهم
ينتشرون في البلاد ويجدون في إضلال العباد، ولذلك يحسب عقلاء العراق أن
القطر قد انسلخ من الدولة , ولم يبق لها فيه من الرسم إلا الاسم.
ولقد استحكمت النفرة منها في قلوب الجميع فلا يذكرونها بلسانهم، وقلما
يراجعونها في شئونهم، ولقد استطلعت وأنا أتقلب في البلاد طوايا النفوس من أمير
ومأمور، وعالم وجاهل، فوجدت الكل في ضجر وسخط، وملل وهم من صلاحها
يائسون، وبسوء إدارتها ساخرون، وذوو العقول والفضل منهم في كمد، قد أرهق
منهم الجسد، وهم شاعرون بضرورة الإصلاح، وأن لا حياة للإسلام
بدونه ولا نجاح، وقد أعدتهم الحوادث والعبر لتحسس هذه الروح , وتلمس المخرج
مما هم فيه، وتراهم مع غلبة اليأس منه لا تزال تتناجى به نفوسهم، وتحن إليه
أرواحهم، وتلهج به ألسنتهم، ولكنهم في محيط مظلم وضغط مؤلم، لا يهتدون
الطريق، ولا يجدون الرفيق، ولا يصل إليهم من آثار دعاة الإصلاح إلا النزر
القليل؛ لشدة المراقبة على هذا الأمر الجليل، ولقد تطلبت المنار، فلم أجد له أثرا في
تلك الديار.
ولقد اجتمعت بكثير من علماء بغداد وعقلائها وأشرافها , ولم أر فيهم أجمع
لفنون الفضل، وصفات الكمال كشكري أفندي الآلوسي وابن عمه الحاج علي أفندي ,
فلقد رأيت من سعة اطلاعهما , وقوة دينهما , وسلامة عقيدتهما السلفية , واستنارة
عقولهما , ووقوفهما على حكمة الدين وأسراره، واطلاعهما على أمراض الإسلام
والتهابهما غيرة وحمية على الدين , ومجاهدتهما في سبيله فريقا من الجامدين من
المقلدة وعباد القبور - ما بهرني وعشقني فيهما.
ولقد أوذوا في هذا السبيل , وامتحنوا فما ضعفوا وما استكانوا ولا يزالان
يصدعان بالحق , ويهتفان بضرورة الإصلاح مع منازعة اليأس لهما. وأعداؤهما
من عبدة القبور والأوهام وأنصار التقليد والخرافات ينبذونهم باسم الوهابية؛
لينفروا منهم، ويحرضوا الحكومة على اضطهادهم غير أن حزبهم من ذوي
العقول النيرة وطلاب الإصلاح أخذ ينمو عدده، ويكثر عضده، وكلهم أوجلهم من
الأعيان، وذوي المكانة ورفعة الشأن، ولم أر أحدا يقدر مؤلفات ابن تيمية وابن
القيم قدرها مثلهما ولهما تعشق غريب فيها، وقد سعيا في طبع الكثير منها، وهمتهما
مصروفة وراء تتبعها والسعي في طبعها لا طمع لهما في ذلك سوى خدمة العلم
والدين , فلله درهما وعلى الله أجرهما
…
ولشكري أفندي قوة على التأليف عجيبة وقد ألف في رمضان ردا على الشيخ
يوسف النبهاني في سبعين كراسا بياضا من دون تسويد , وقد تكفل بطبعه أحد تجار
جده فأرسله إليه , وهو كتاب نفيس يقضي على النبهاني قضاء لا يسمع له
صوت من بعده؛ والسبب في ذلك أنه ألف رسالة في تضليل ابن تيمية وابن القيم ,
وانتقصهما ما شاء , ثم عد من مصائب الدين انتداب بعض الزائغين في زعمه لنشر
مؤلفاتهما وتمثيلها للطبع , وندد بالشيخ نعمان أفندي الآلوسي رحمه الله لتأليفه كتاب
(جلاء العينين في محاكمة الأحمدين) وذمه وذم عائلته , وذكر أنهم أصيبوا بالمحن ,
فلم يعتبروا , ولا اتعظوا , ويزعم أنه من مجددي الدين في هذا العصر. وهكذا
بلغ به الغرور إلى هذا المبلغ والجنون فنون. اه ما أردنا نشره من هذه الرسالة ,
ويليه كلام حسن في الأستاذ الإمام والمنار وصاحبه يتعلق بالإصلاح أضربنا عن
ذكره مع حمد كاتبه وشكره.
ونقول: قد ذكرتنا هذه الرسالة بما كنا كتبناه في المجلد الثاني من المنار (في
رمضان سنة 1317) من نشر مذهب الشيعة في العراق وهذا نصه:
قرأنا في بعض الجرائد أن الدولة العلية قد عزمت على إرسال بعض العلماء
إلى سناجق البصرة والمنتفك وكربلا لإرشاد القبائل الرحالة هناك , وقرأنا في بعضها
أنه قد صدرت الإرادة السنية بذلك فعلا , ونحمد الله تعالى أن الدولة العلية قد تنبهت
لهذا الأمر قبل أن يخرج من يدها بالمرة , فقد سبقها الشيعة , وبثوا الوعاظ
والمرشدين في هذه القبائل وغيرها من العربان الضاربين على ضفاف الدجلة
والفرات فأدخلوا معظمهم في مذهب الشيعة.
يذهب الملا الشيعي إلى القبيلة , فيمتزج بشيخها امتزاج الماء بالراح بما
يسهل عليه من أمر التكاليف الشرعية ويحمله على هواه فيها كإباحة التمتع بالعدد
الكثير من النساء الذي له الشأن الأكبر عند أولئك الشيوخ , وغير ذلك؛ حتى يكون
وليجته وعيبة سره ومستشاره في أمره , فيتمكن الملا بذلك من بث مذهبه في القبيلة
بأقرب وقت , ويكتفي من السياسة غالبا بإفهام القوم أن رئيس طائفة الشيعة
المحقة شاه العجم ورئيس الطائفة الأخرى المسماة بالسنية السلطان عبد الحميد ,
ولا شك أن هؤلاء يكونون عونا لرئيس مذهبهم إذا وقع نزاع (لا قدر الله) بينه
وبين رئيس المذهب الآخر وإن كانوا في بلاد الآخر , ويمكن للدولة العلية أن تتدارك
الأمر بعض التدارك إذا كان الذين تختارهم للإرشاد والتعليم أهل حكمة
وغيرة حقيقية يهمهم الإصلاح والإرشاد , بحيث يقدمونه على منافعهم الشخصية على
أن الذي يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة لا يحرم من أجر الدنيا , بل ربما كان
نجاحه أتم , وقد استغنى جميع دعاة الشيعة في تلك القبائل مع حصولهم على غرضهم
في نشر المذهب. وليبدأ دعاة الدولة العلية بمن على الفرات , فإن فيهم عددا
كبيرا لم يزل على مذهب أهل السنة، والله الموفق. اه (من ص687م2) .
هذا ما كتبناه من نحو تسع سنين. ونقول الآن: إن أكثر من أجابوا دعوة
علماء الشيعة هناك لم يكونوا على شيء من مذهب أهل السنة , فإذا كان أولئك
الدعاة يبثون فيهم الوعاظ يعلمونهم الفرائض وأحكام الحلال والحرام , فإن ذلك يكون
خيرا لهم في دينهم من الحالة التي كانوا عليها، فنحن لا نعد الأمر من الجهة الدينية
بلاء نازلا كما عده الأستاذ كاتب الرسالة , ولكن الأمر مهم من الجهة السياسية؛ فإن
السياسة هي التي كانت ولا تزال مثار الخلاف بين أهل السنة والشيعة , ولولاها لما
كان خلاف وما أضاع الدين والدنيا علينا إلا الخلاف.
وقد كان طلاب الإصلاح بالوحدة الإسلامية مغتبطين بما حصل هذه في السنين
الأخيرة من التآلف والتعارف بين الفريقين , حتى وقع أخيرا ما وقع من التعدي على
الحدود , فباتوا يخشون أن تهدم السياسة السوءى في سنة واحدة ما بناه دعاة الإصلاح في عشرات من السنين. فنسأل الله أن يقي الإسلام شرها ويكفي المسلمين فتنتها
وضرها.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>