الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
اليمن
سبب فتنتها وإمام الزيدية فيها
إن العرب في اليمن وحضرموت ونجد وسائر جزيرة العرب يحبون الدولة
العثمانية محبة صادقة وزادهم حبا فيها , وحرصا على بقائها في هذا الزمن
اعتقادهم أن دول أوربا تتربص بها الدوائر، وتحاول إزالة سلطتها لإزالة سلطة
الإسلام من الوجود وهم على بقاء مميزاتهم الجنسية والوطنية على نحو ما كانوا في
القرون الماضية والأجيال الغابرة - لم يطرأ عليهم من التغير ما طرأ على أهل
الآستانة ومصر والشام والأناطول , وغيرها من الأقطار الإسلامية: لا تزال
الرابطة الدينية عندهم فوق رابطة الجنس واللغة والوطن , لم تعلمهم المدنية
الأوربية التعصب للجنس كما علمت الأتراك ولا للبقعة كما علمت المصريين , فهم
يتمنون لو يجدون من الترك حكاما يقيمون العدل , ويحكمون بالشرع، لا يجدون في
صدورهم حرجا من ذلك.
ولكن الذي لا يطيقون احتماله ولا يصبرون عليه هو الظلم والجور والخيانة
والغدر؛ لأنهم ورثوا الاستقلال الشخصي والقومي وعزة النفس , وإباء الضيم منذ
آلاف من السنين.
وقد بينت في المنار من قبل أن فئة قليلة من العمال (الحكام) المسلمين
العدول العارفين بالشرع المهتدين به يكفون الدولة في اليمن أمر هذه الحروب التي
طالت عليها السنون , فخربت البلاد , وأضاعت على الدولة من الأموال والرجال ما
هي في أشد الحاجة إليه لصيانة استقلالها من عبث أوربا التي تواثبها المرة بعد
المرة، وأضرت بها أنواعا أخرى من المضرات لا حاجة إلى شرحها الآن.
الزيدية: طائفة من عرب اليمن , تدين بوجوب إقامة إمام لها من العترة
النبوية، فهم بذلك أجدر العرب بعدم الخضوع للدولة العثمانية , ولكنهم مع ذلك يتمنون
لو تقيم الدولة في بلادهم العدل , وتحكم بالشرع ويكون لها منهم ما يريدون فما
بالك بغيرهم؟
حاولت الدولة غير مرة أن تقيم الحجة الشرعية على هؤلاء بوجوب طاعة
السلطان، وتحريم الخروج والعصيان، فأرسلت من خاطب إمامهم بذلك غير مرة
فكانت حجة الإمام أنهض، وحجة السلطان أدحض؛ لأن الظلم والبغي بغير الحق
حجج عملية، لا تبطلها الحجج القولية، ولا تفيد معها شيئا.
وقد عثرنا في هذه الأيام على نص ما أجاب به إمام الزيدية عما وجهه إليه
الشيخ محمد الحريري مفتي حماه المندوب الذي أرسله إليه السلطان منذ سنين ومنه
يعلم صحة رأينا في هؤلاء القوم وهذا نصه:
المنصور بالله محمد بن يحيى حميد الدين
عصمتي بالله وما توفيقي إلا بالله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم أيد دينك القويم بالعلماء العاملين، واكشف ببركتهم جهل الجاهلين،
وارفع بحميد سعيهم غفلة الغافلين، فهم بحور العلم الزاخرة، ونجوم الهدى الزاهرة،
وزينة الدنيا والدين والآخرة وأهل الفضائل المتكاثرة، منهم ذو المجد الشامخ
المنيف، والحسب الباذخ الشربف، والأدب المثمر روضه الوريف، السيد محمد
الحريري الرفاعي الحسني الحموي، ألبسه الله جلباب التقوى، وقاده إلى التمسك
بالحبل الأقوى، وأعاد على محياه السلام الأسنى، والإكرام الأهنى، وصلى الله على
محمد خاتم أنبياه، وعلى آله سفينة النجاة، وتراجمة الكتاب وقرناه، وعلى
صحابته الذين اتبعوه بعد مماته وفي محياه.
أما بعد؛ فإنا نحمد الله الذي لا يرجى ويخشى سواه، ولا نعبد إلا إياه. وإنه
وافانا منك أيها السيد كتاب كريم، ومسطور رائق فخيم، أفاد معرفة بحقوق العترة
النبوية، والسلالة العلوية، بما ورد فيهم من الآيات القرأنية، والأحاديث الصحيحة
المروية , (وإن دواعي المحبة اقتضت المراسلة، وبواعث المودة جذبت إلى
المكاتبة والمواصلة) ، وإن من لوازم المحبة والإيمان بذل النصيحة للإخوان،
لا سيما ولاة الأمور، الذين ناط الله بهم صلاح الجمهور، وأفاد - أسعده الله - أنه
مستنكر لما جرى بيننا وبين الولاة المرسلين من حضرة الدولة العثمانية، والسدة
الخاقانية من الحرب والاختلاف، وعدم التوافق والائتلاف، وأنه يرى الخير في
إصلاح ذات البين، ورفع الفتنة التي تؤدي إلى التهلكة والحين، وأنه ورد الحث عليه
في السنة والكتاب، وأنه مناط الرضا لرب الأرباب، وأن السلطان الأعظم
ممن أقام الله به الدين، وانتظمت به أحوال المسلمين، وتشرف بخدمة الحرمين
الشريفين، وأقام بجهاد الكفار، ومنابذة الأشرار، وأن رغبته في صلاح الدنيا
والدين، وقمع الفجار المعتدين، وأن القطر اليماني المحروس بالله محل الإيمان، كما
ورد عن سيد ولد عدنان، وأن سعيه في ذلك نصيحة دينية، ومحبة إيمانية.
فنقول: نعم الأمر كما ذكرتم , مما وقع بيننا وبين من تعلق بالسلطة القاهرة
أعز الله بها الإسلام، وقمع بها ذوي الإلحاد الطغام، ولم يكن لنا من الرياسة
الدنيوية طلب، ولا في الراحة البدنية إرب، ولا نعول على جمع المال ووفرة
المكسب، ولا مزيد على ما نحن فيه من الحسب والنسب، لكنا رأينا المأمورين لم
يؤدوا حقوق الله، ولا رعوا حرمة ما حرمه الله، ولا غضبوا يوما على معاصي الله،
ولم يعملوا بشيء من كتاب الله ولا سنة رسول الله، ولا شرعوا لهم من الدين
ما لم يأذن به الله، وارتكبوا المعاصي، ورموا إليها الناس بأطراف النواصي،
وجاهروا الله بشرب الخمور، وارتكاب الفجور، وظلموا كل ضعيف، وأهانوا كل
شريف، حتى فسدت الذرية، وارتفعت كلمة اليهودية والنصرانية، وصارت
الأكراد والمجوس تحكم البرية. ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة﴾ (التوبة:
10) . ولا تأخذهم في المسلمين رأفة ولا رحمة، ولما لم نجد عن أمر الله بدا،
استعنا وتوكلنا عليه , وبذلنا في الجهاد جهدا، امتثالا لقول الله عز وجل:
﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ (البقرة: 193) , وقوله عز
وجل: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران: 104) , وقوله: {كنتم خير أمة
أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران: 110) ,
وخوفا مما خوفنا الله به من نحو قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل
على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون
عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} (المائدة: 78-79) , ونحو قوله صلى
الله عليه وسلم: (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر , أو ليسلطن الله عليكم
شراركم , فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم) حتى إذا بلغ الكتاب أجله كان هو الله
المنتصر لنفسه.
ولم نزل نتوخى أن السلطة القاهرة - أعز الله بها الإسلام - إذا رفعت إليها تلك
القبائح التي لا يختلف في وقوعها اثنان، أن تأخذها حمية الدين والإيمان، على
تلافي ما فرط من الإضاعة، وتستدرك ما فات من حق عترة رسول الله الذين لا
تستحق بدون اتباعهم الشفاعة، فلم يزدادوا مع طول المدة إلا انسلاخا من الدين،
وتوسعا من تأمر الفجرة المعتدين.
فإن قلت أيها السيد: إن تلك القبائح مباحة في الإسلام، وإن فعلها مستحل من
أتباع شريعة سيد الأنام. فهات الدليل، ولا يقول بذلك إلا ضليل، وإن أنكرت أيها
السيد أن ذرية الرسول، هم الحجة في الفروع والأصول. صاح بك قوله تعالى:
{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم
سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} (فاطر: 32) , وقوله تعالى:
﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ (الشورى: 23) , ونحو قوله
صلى الله عليه وسلم: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا:
كتاب الله وعترتي أهل بيتي؛ إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا
علي الحوض) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن عند كل بدعة تكون من بعدي
وليا من ذريتي) وقوله صلى الله عليه وسلم: (أهل بيتي أمان لأهل الأرض)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (أهل بيتي كسفينة نوح) وغير ذلك مما لا يتحمله
المقام , فالظهور أبين للحجة، وأوضح للمحجة، لا ما خوفتنا به من القتل والنكال،
فإنا أهل بيت لا تزعزعنا كواذب الآمال، ولا نعد بذل نفوسنا في سبيل الله إلا من
أشرف الخصال، ولا نفزع إلى غير ذي الجلال، ولا ندعو سواه في البكور
والآصال.
على أن قومي تحسب الموت مغنما ... وإن فرار الزحف عار ومغرم
{أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في
غرور} (الملك: 20) ، {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا
الذي ينصركم من بعده} (آل عمران: 160) ، {إن تنصروا الله ينصركم
ويثبت أقدامكم} (محمد: 7) ، {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في
الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} (القصص: 5) ، {الذين إن مكناهم
في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله
عاقبة الأمور} (الحج: 41) , فنحن من وعد ربنا على يقين، {والعاقبة
للمتقين} (الأعراف: 128) , وإنك لا تجد في خطتنا المنصورة إلا قائما لعبادة
ربه إذا أسدل الليل جناحه، أو تاليا كتاب الله وذاكرا إذا أطلع الفجر صباحه،
ومساجدنا معمورة بالعلم والعمل، وقلوبنا ضالة عن الجبن والفشل، ولا نفتخر
كغيرنا بآلات الحرب الفاخرة، ولا بالسيوف المتكاثرة، التي تحت أمرنا عائرة، بل
نتبرأ من الحول والقوة، ونتمسك بأذيال سيرة الإمامة والنبوة:
مغارس طابت في ربا الفضل فالتقت ... على أنبياء الله والخلفاء
إذا حمل الناس اللواء علامة ... كفاهم مثار النقع كل لواء
فقد أوضحنا لك أيها السيد طريقتنا، وأبلغنا إليك أفعال أعادينا {فأي
الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك
لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام: 81-82) ولو يعلم السلطان الأعظم حقيقة
الحال، لسارع إلى إعانتنا في الحال والمآل، ورفع جميع المأمورين من الخطة
اليمانية، وأمرهم بحرب الفرقة الكفرية، ولمنعهم عن محاربة العترة النبوية، التي
هي بضعة من الذات الشريفة المحمدية، ولأوفى جدنا الأعظم أجر تبليغ الأنباء
المشار إليه ب ﴿قل لا أسألكم عليه﴾ (الشورى: 23) الآية، ولتباعد عن
مشابهة من قال فيهم خاتم النبيين: (من قاتلنا آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال) ,
وعن الدعوة النبوية في قوله لأهل بيته: (أنا حرب لمن حاربتم , سلم لمن سالمتم) ,
وقد أمر الله تعالى بالكون مع الصادقين بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا
الله وكونوا مع الصادقين} (التوبة: 119) , وثبتهم بقوله: {إنما المؤمنون
الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك
هم الصادقون} (الحجرات: 15) . {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة
أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} (يوسف: 108) . {يا
قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} (الأحقاف: 31) . {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من
دونه أولياء} (الأحقاف: 32) . {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني
إلى النار} (غافر: 41) , فإذا وجدت أيها السيد خلاصا من أوامر الله أفدنا من
كتاب الله ومن سنة رسول الله , ودع عنك التخويف بالمخلوقين كما قد قيل:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
وأما اجتماع الكلمة على الحق فمن أين لنا ذلك، وإلا فهو عندنا من أعظم
المسالك، حقنا للدماء، ورفعا للدهماء، ونسأل الله أن يرفع عن الأمة المحمدية
السوء والمحن، ويجعلها على اتباع الكتاب وقرنائه أهل بيت النبي المؤتمن، وأن
يعيذنا من نزغات الشيطان الرجيم، ومضلات الفتن , وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكان اللائق بحال أركان السلطان الأعظم أن يجعل القطعة اليمانية من جملة
الممالك التي بأيدي الكفار , وقد أضربوا عنها صفحا، وطووا عنها كشحا، وما
سارعوا لغير مملكة اليمن التي بأيدي أولاد رسول الله يحكمون فيها بما أنزل الله،
ويمنعون محارم الله، فهلا جعلوا آل الرسول كالكفار الذين تركوا لهم ممالكهم؟
اللهم اشهد وكفى بك شهيدا. اه
(المنار)
تسمع الدولة هذه الأخبار , وتقرأ مثل هذا الجواب , ثم هي توالي إرسال
الجيوش إلى اليمن , فإذا توالى انكسارهم أرسلت من الرسل السلميين من يقيم الحجة
على إمام الزيدية! ! لم تعتبر بإخفاق محمد الحريري وحسن خالد الصيادي ,
فأرسلت في العام الماضي وفدا من علماء مكة , فكانت حجتهم كحجة من سبقهم،
ولو سمعت كلامنا نحن الناصحين المخلصين لأرسلت واليا عادلا حكيما وعمالا من
أهل الدين والاستقامة , فبذلك لا بسواه تنطفئ نار الفتنة، وتخضع اليمن للدولة،
فإذا أعوز الدولة هذا العلاج، فلتعلم أن جميع بلاد العرب ستتبع اليمن في الخروج
عليها، أو الخروج من سلطتها.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>