الكاتب: عبد الحميد الزهراوي
-----------------
<span class="footnote">
خديجة أم المؤمنين
(1)
الفصل الأول [*]
(مكة وحالة قريش الاجتماعية عند البعثة)
نشأت خديجة في بلد شأنه عجيب: قصي عن العمران، في واد غير ذي
زرع، لا تنساب فيه الأمواه، ولا تكتنفه الحدائق، ولا تقوم للصناعات فيه دولة،
ولا يجد مبتغي الزخارف لديه مجالا، ولكن أبدله الله جمالا معنويا وكساه جلالا
روحانيا، فالأفئدة تهوي إليه، والمطايا تزجى له من كل فج عميق.
هذه البلدة المقصودة هي (مكة) المكرمة الشهيرة التي لا يجهل اسمها
وشهرتها أحد، هي أم البلاد العربية , واقعة في القطعة المسماة الحجاز من شبه
جزيرة العرب، قائمة بيوتها في سفوح جبال محيطة بها.
لم نقف على مقدار عدد نفوسها في تلك الأيام التي نشأت فيها خديجة , ولكن
عدد مقاتلتها لم يكن يتجاوز الألفين في الغالب فيمكننا أن نحرز أهلها إذ ذاك بنحو
خمسة عشر ألفا كلهم أولاد أب واحد , قد ورثوا باستعدادهم لا بنسبهم هذا المقام
الكريم والبلد الشريف ممن كان قبلهم من القبائل. وذلك أن قصي بن كلاب استطاع
أن يجمع جميع ذراري فهر بن مالك إلى مكة , ويزاحم بهم من كان فيها من القبائل
فلم تلبث أن صارت لهم خاصة.
وفي مكة هذه بيت مقدس قديم العهد يكاد يكون أول أمره مجهولا عند
المشتغلين بالتاريخ اسمه بيت الله أو الكعبة. وكان جميع عرب الحجاز يعظمون هذا
البيت أكثر من كل البيوت التي شرفوها، ويحجون إليه، ويتعارفون ويتعاطفون
لديه.
كانت هذه البلدة المشرفة تضم بين تلك الجبال المهيبة أمة صالحة الاستعداد
للرقي متى أريت طريقه , كما تضم الصدفة جوهرة لا يظهر بهاؤها ورواؤها حتى
تعالج بعض المعالجة , وتزال عنها تلك القشور , أما من حيث الحضارة فلم تكن
كما ينتظر ابن حضارة هذا العصر من البلدان وإنما هي بيوت ساذجة مبنية بالحجارة
واللبن , ومسقوفة بجذوع النخل خالية من الزخرف.
وهذا البلد الأمين باق إلى يومنا هذا لم يزدد على طول القرون إلا تشريفا
وتكريما , ولم يتغير فيه إلا أشكال الأبنية , وازدياد التجارة , والبيت المشرف لم
يتغير وضعه , ولا وضع الشعائر التي حوله؛ وإنما بني هناك زيادات وتحسينات
اقتضتها الدواعي.
ومكة معدودة اليوم من جملة بلاد الدولة العلية العثمانية بيد أنها لم تحرم حتى
الآن من أمير عربي يتصل نسبه بسيدتنا خديجة هذه، ونفوذه فيها وفيما حولها نفوذ
تام يستمده من السلطان العثماني، ومن احترام العرب لهذه السلالة.
ومن الآثار المشهورة الباقية في مكة بئر زمزم , ويقولون: إن قبيلة جرهم
كانت دفنتها، ثم احتفرها عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم , وكان
ذلك من مفاخر عبد المطلب؛ لأنه لم يكن بمكة من ماء إلا في آبار بعيدة عن البيت
المشرف , فلما أخرج عبد المطلب زمزم في جوار البيت انصرف الحاج إليها.
ولحفر زمزم حديث طويل؛ خلاصته تدل على شغف عبد المطلب بتسهيل
الماء على الحجاج , فإذا تأملنا في حرص القوم على مثل هذه العناية بالغرباء
وأبناء السبيل نعلم شيئا من روح تربية الهمم , وترقية العواطف في ذلك المجتمع
الذي نشأت فيه (خديجة) .
وكان من جيد أمر أهلها في مجتمعهم ذلك أنهم اقتسموا النظر في الأمور
العمومية فيما بينهم؛ فكأنهم كونوا حكومة جمهورية من غير رئيس عام , وكان أمر
هذه الجمهورية الغريبة الوضع سائرا على منتهى النظام , ولكن لم يكن هذا النظام
لسر في ترتيب هذه الجمهورية؛ فإنها لا يؤمل منها في حد ذاتها أن تثمر نظاما بالغا
منتهى الجودة والقوة , وإنما ذلك أثر من آثار تربيتهم العمومية , فالأخبار كلها دالة
على أن القوم بالجملة كانوا كأنهم مفطورون على التضامن التام؛ فلذلك كان من
مزايا ذلك الاجتماع الذي لا نعهد له نظيرا أن كل فرد من أفراده تام الحرية لا يشعر
بقهر حاكم , ولا يخشى سطوة جبار , وكل منهم في أمن من فوات الحقوق واعتداء
الحدود؛ الجنايات قليلة، وكرامة الناس محفوظة، والآداب سليمة، والحدود غير
متجاوزة، والحقوق مصونة، وذرائع الفساد مسدودة، وسلامة الفطر غالبة،
والمزايا التي بها كمال الإنسانية راجحة.
فإذا أضفنا إلى كل ذلك احترام الغريب وتوقيره إياهم وتوقيه أذاهم , نجد أن
ذلك المجتمع لا يكاد يوجد نظيره , ولكن مع كل هذا الجمال والحسن والصلاح في
هذا المجتمع كان فيه عيوب , فإذا أزيلت يصبح أول مجتمع راق في الدنيا , وخليقا
أن يفيض على جيرانه من بركات العقول التي أشربت بديع جماله، واشرأبت إلى
عظيم كماله، ثم تاقت إلى تعريف العالم بما أكنت تلك البقعة التي لم تكن شيئا
مذكورا من العقول المنيرة والأرواح العالية.
وقد وقع ذلك فإن الذي منه تنشأ الأسباب , وإليه ترجع الأمور قد أتاح لهذا
البلد الجمهوري من ينظفه من تلك العيوب التي أشرنا إليها , فكان بعد ذلك كما هو
المنتظر منه؛ أي: تم ظهوره , فصار مشرقا لنور عظيم بلغ مشارق الأرض
ومغاربها , فأخذ كل قوم منه بقدر استعدادهم.
أما الجمهورية التي أشرنا إلى أنها كانت في هذا البلد فقد أقاموها على أساس
يأمنون معه من الزلزال؛ وذلك أنهم رأوا الشرف انتهى إلى عشرة رهط من عشرة
بطون لاشتهارهم بأعمال مجيدة، ثم أجمعوا أمرهم على أن يكون النظر في الأمور
العمومية من خصائص هذه البيوت العشرة , وتراضوا على أن يكون لكل بيت من
هذه العشرة وظيفة يختص بها , تعد من مفاخره؛ فهم بهذا الصنيع قد أخذوا بشيء
من أصول حكم الأشراف , وبذلك أعطوا الأعمال التي يمجد بها الفرد أو الأسرة
حقها من التكريم والتشريف ليزداد نشاط أربابها , وحرص غيرهم على التشبه بهم ,
وأخذوا أيضا بشيء من أصول الحكم النيابي , وهو أعظم الآيات على وجود
التضامن الذي هو أحد الأركان التي تحتفظ بها سعادة الأمم.
أما الشورى , فقد وفروا منهم حظها، وعظموا في أنفسهم حقها , وبها كانوا
يشرعون ما يشرعون من الأحكام والحدود، ويفصلون ما يفصلون في بعض القضايا
والحقوق.
وقد ألغوا الرئاسة العامة من بينهم كأنهم عدوها لغوا , إذا صدقوا في تضامنهم
وصلحوا في تشاورهم وإرادتهم الحق وقليلة الجدوى , إذا مرض تضامنهم ووهي
نظامهم. أو أنهم خشوا أن يكون حب الرئاسة إذا وجدت مدعاة لكثرة تنازعهم
وتنافسهم؛ فلا يأمنون بعد ذلك كثرة الفشل , والشقاق , وسقوط الهيبة من نفوس
الغرباء , ووقوع الفتور في نفوس الأقربين. أو أنهم أنفوا أن يملكوا عليهم أحدا؛
لأنهم كلهم يحملون بين أضالعهم نفوس الملوك , وجمهوريتهم هذه لم يكن لها رئيس
عام , ولكن كانوا يقيمون واحدا في وظيفة رئيس عام موقتا.
أهل هذا المجتمع اللطيف لم يكونوا أولي شغف بالمحاربات , فعلاقاتهم
الخارجية مع جيرانهم من القبائل وأهل القرى والبلاد كانت حسنة , ولكن هذا لم
يقعدهم عن أن يكون استعدادهم تاما لما ينزل بهم , فإن نزل بهم ما يطيقونه كشفوا
اللثم عن قوتهم , وبرزوا من غير تريث , وإن نزل بهم ما لا قبل لهم به تريثوا
وعمدوا إلى الأناة , وفتقوا من الحيلة أبوابا يخرجون منها إلى السعة من الضيق ,
ومن فل الجيوش بالحسام إلى فلها بالبيان , وقد أعطوا من هذا حظا عظيما.
ومن أشهر حوادثهم الخارجية التي ضاقوا بها زرعا هجوم القائد الحبشي أبرهة
الذي كان غلب على بعض بلاد اليمن , فقد دهمهم بجيش عظيم لم يروا لأنفسهم طاقة
به , فقابله عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم , وكان يومئذ رئيس قريش ,
فأحسن مقابلته ولطف بعض الشيء من حدته التي كان بها مسوقا لهدم (بيت الله) على زعمه لأسباب فصلها رواة الأخبار , ثم أصابته داهية سماوية فقفل بجيشه ثانيا عزمه؛ لأنه رأى في أهل هذا البلد ما لم يكن يخطر له في بال.
نعم رأى في مقدمه هذا على هؤلاء القوم عجبا من الأمر , وذلك أنه لما أتاهم
أرسل إليهم رجلا حميريا كان معه اسمه حناطة , وأوصاه أن يسأل عن سيد أهل
هذا البيت وشريفها , فيبلغه أن الملك لا يريد الحرب وإنما جاء لهدم هذا البيت ,
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها , فدلوه على عبد المطلب بن
هاشم, فجاءه , وبلغه ما أمره به أبرهة , فكان جواب عبد المطلب: إننا لا نريد
حربه. قال حناطة: إنه أوصاني أن يريد مواجهتك إن لم تريدوا الحرب , فانطلق
عبد المطلب مع حناطة إليه , فلما رآه أبرهة رأى الوسامة والجلال , فأعظمه
وأكرمه , وأخذه إلى جانبه , وقال للترجمان: سله أن يقول ما يبدو له , فلم يكن
من عبد المطلب إلا أنه صرف لسانه عن الخوض في عزم القائد على هدم البيت
وجداله فيه , بل أظهر الاقتناع بضرورة المسالمة , وعدم معارضة القائد في أمر
هذا المعبد , وقال له: إذا لم يكن لك غير هذا الأرب فرد علينا إبلنا. قال أبرهة
للترجمان: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك , ثم قد زهدت فيك حين كلمتني؛
أتكلمني في الأموال وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك! فأجابه عبد المطلب: إننا
نحن أرباب المال , وأما البيت فله رب هو سيمنعه. فقال له: إنه ما كان ليمتنع
مني. فأجابه: أنت وذاك. ورد أبرهة الإبل على عبد المطلب , وبقي مصرا على
عزمه , ورجع عبد المطلب على قريش , فأمرهم أن يعتصموا بالجبال، ولا يأتوا
أمرا حتى يروا ماذا يكون , وقد أتى من لدن العناية الغيبية ما لم يكن في
الحساب , فإن أبرهة لما أصبح وتهيأ لدخول مكة برك الفيل الذي كان يركبه
وحرن , وأتوا كل باب من أبواب الحيل ليقوم ويمشي تلقاء مكة , فلم يقم , ثم
رأوا حجارة تسقط عليهم من أرجل صنف من الطير , فتشاءم أبرهة , وتذكر ما
أنذره به ذلك الرجل الجليل السني الطلعة عبد المطلب من حماية هذا البيت بطريقة
لا يبلغها عقله , فخمدت في صدره جذوة الحدة والتهور , وخذل أمام هؤلاء القوم
الذين حاربوه بالسلم , ورموا عقله بسهم نافذ من بيان عبد المطلب مع رمي الطير
جيشه بحجارة من سجيل.
وهذه أكبر حوادثهم الخارجية وأشهرها. وفي عام هذه الحادثة ولد النبي صلى
الله عليه وسلم , وقد سموه عام الفيل لما ذكرنا من قصته , ورجال هذه الحملة قد
عرفوا بعدها باسم أصحاب الفيل , وقد أشير إلى مجمل هذه الحادثة في القرآن
المجيد.
***
الفصل الثاني
(بيوتات قريش وخصائصها)
أما بيوت شرفهم العشرة فهي:
هاشم، وأمية، ونوفل، وعبد الدار، وأسد، وتيم، ومخزوم، وعدي،
وجمح، وسهم.
وأما الأمور التي كان توليها من خصائص هؤلاء فهي: السقاية، والعمارة،
والعقاب، والرفادة، والحجابة، والسدانة، والندوة، والمشورة، والأشناق، والقبة،
والأعنة، والسفارة، والأيسار، والأموال المحجرة.
هذه الأسماء أكثرها اصطلاحي يحتاج إلى تفسير يوافق العصر الذي نحن فيه
حتى نفهم شكل ذلك المجتمع الذي سميناه جمهوريا على حسب اصطلاح عصرنا.
فأما السقاية , فقد نفهم من اللفظ نفسه؛ أي: سقاية الحجاج الذين كانوا يأتون
(بيت الله) من كل جانب , ولا يخفى على أحد أن العناية بهؤلاء الغرباء , وتوزيع
المياه عليهم من أهم الأمور العمومية في ذلك الظرف , وكان بنو هاشم هم أهل هذه
الوظيفة.
وأما العمارة , فهي منع من يتكلم في (بيت الله) بكلام سفيه قبيح , أو يرفع
فيه صوته , وكانت هذه الوظيفة أيضا في بني هاشم الذين منهم العباس صاحبها.
وأما العقاب , فهي راية قريش , كان من شأنهم فيها أنهم يحفظونها في بيت
من البيوت العشرة , فإذا وقعت حرب أخرجوها , فإن اتفقوا على أحد منهم أعطوه
راية العقاب , وإن لم يجتمعوا على أحد رأسوا صاحبها فقدموه , وقد كانت
هذه الوظيفة؛ أي: حفظ هذه الراية، من خصائص بني أمية الذين منهم أبو سفيان
صاحبها.
وأما الرفادة , فمعناها: الإسعاف , وكانوا يجمعون من أنفسهم أموالا لرفد
المنقطعين من الحجاج , وكانت الرفادة في بني نوفل الذين منهم الحارث بن عامر
صاحبها.
وأما السدانة والحجابة , فمعناهما: خدمة (بيت الله) وحفظ مفتاحه , والظاهر
من هذه الوظيفة أنها دينية , ولكن متولي هذه الوظيفة الدينية مشترك مع عشيرته
بتدبير الشئون الاجتماعية , وهذا العمل الديني نفسه قد كان عند القوم من أهم
الأمور العمومية في مدنيتهم وجمهوريتهم.
وقد نستطيع أن نشبهها من بعض الوجوه بوظائف كبار رؤساء الدين في الأمم
المتمدنة اليوم؛ ولا يخفى أن وظائفهم من متممات مدنيتهم، ولمن يتولونها شأن
يذكر عندهم. وقد كانت الحجابة والسدانة في بني عبد الدار الذين منهم عثمان بن
طلحة صاحبها.
وأما الندوة , فمعناها ظاهر من اللفظ نفسه , وكانت دار الندوة في بني عبد
الدار أيضا.
وأما المشورة , فيريدون بها رئاسة الشورى , وليس ببعيد عن الصواب إذا
شبهناها من بعض الوجوه برئاسة الوزراء أو رئاسة مجلس الأعيان , وكانت هذه
الوظيفة من خصائص بني أسد , وكان يتولاها منهم يزيد بن زمعة بن الأسود ,
وكان من شأنهم في هذه الوظيفة أن رؤساء قريش كانوا لا يجتمعون على أمر حتى
يعرضوه على صاحب هذه الوظيفة , فإن أعجبه وافقهم عليه , وإلا تخير وكانوا له
أعوانا.
وأما الأشناق , فهي الديات والمغارم؛ فقد كانوا يساعدون من يستحق المساعدة
ممن حمل مغرما أو دية , وكان النهوض مع صاحب المغرم لجمع المطلوب من
خصائص بني تيم الذين منهم أبو بكر الصديق , فكان أبو بكر إذا نهض مع أحد
صدقه قريش , وأعانوا من نهض معه , وإن نهض غيره خذلوه.
وأما القبة فأشبه شيء بنظارة الحربية , ولكن كانوا يعمدون إليها وقت
الحرب فقط , ولعل ذلك لسذاجة الحرب إذ ذاك , أو لاستعدادهم لها كل وقت إذا
تأججت نيرانها , وقد كانوا يضربون قبة , فيجمعون إليها ما يجهزون به الجيش ,
وكان من خصائص بني مخزوم الذين منهم خالد بن الوليد صاحبها.
وأما الأعنة , فمعناها رئاسة الخيالة , وكانت هذه الوظيفة للمخزومي أيضا
وخالد صاحب هذه الوظيفة هو ذلك الفاتح العظيم القائد العام في الإسلام لجيوش أبي
بكر خليفة النبي عليه الصلاة والسلام , وما أظن تاريخ فن التعبئة اليوم يخلو من
الاستئناس بذكر تلك التدابير المخزومية , التي كان لها شأن عظيم في الإسلام كما
هو شأنها في الجاهلية (أو الجمهورية) .
وأما السفارة , فالمراد بها ظاهر , وقد كانوا يحتاجون إلى السفارة في
الحروب؛ أي: في أوائلها , أو بعد شبوب نارها وتعاظم أوزارها , ويحتاجون إليها
إذا نافرهم حي للمفاخرة. وقد كانت هذه الوظيفة من خصائص بني عدي الذين
منهم عمر بن الخطاب صاحبها , وناهيك بذلك الخليفة الثاني الشهير بكل منقبة
صالحة إذا كان سفير قوم.
وأما الأيسار فهي الأزلام والقداح , كانوا يضربون بها إذا أرادوا أمرا , وكان
هذا من خرافاتهم وعيوبهم , ويحق لنا أن نبالغ في استهجان هذه الخرافة التي كانوا
عليها إلا أن يكون لهم شيء من النظر من وراء الخرافة , كما هو الحال في كثير
من الأمور الباطلة التي تروج في الأمم بسماح من العقلاء , أو بترويج منهم لها ,
وقد كانت هذه الوظيفة لبني جمح الذين منهم صفوان بن أمية صاحبها.
وأما الأموال المحجرة , فهي الأموال التي سموها لآلهتهم , ويصح أن تسمى
هذه الأموال أم الأوقاف الخيرية؛ أي: إن بينهما تشابها. وقد كانت هذه الوظيفة؛
أي: تولي النظر في الأموال المحجرة من خصائص بني سهم الذين منهم الحارث
ابن قيس صاحبها.
هذا ما كان من حيث ترتيب التضامن واقتسام الأعمال المهمة. وأما الأمور
الجزئية التي كان الأفراد يختلفون فيها فتفصل فيها كبار أسرهم وعشائرهم في
الغالب على طريقة التحكيم , ولم يكن للقوم من شريعة مكتوبة , وإنما كانوا يقضون
في الأمر كما يبدو لهم الصواب فيه , ويقيسون الأمور بأشباهها.
وهنا يخطر في بال القارئ أن يسأل عن الضعيف الذي لا يأوي إلى ركن
شديد من رهطه , كيف كان حاله إذا أهين أو ظلم في ذلك المجتمع الذي لا شريعة
فيه مكتوبة , ولا قوة عمومية من شأنها وخصائصها دفع القوي عن الضعيف. وقد
بحثنا في هذه المسألة المهمة , فوجدنا القوم لم ينسوها ولم يهملوا شأنها؛ وذلك أنهم
قرروا في مؤتمر لهم حماية الضعيف , والذود عنه , وكأن من حديث ذلك المؤتمر
أن قبائل من قريش اجتمعت في دار عبد الله بن جدعان الشهير, وتعاهدوا وتعاقدوا
على أن لا يجدوا في مكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا
قاموا معه , وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته , فسمت قريش ذلك حلف الفضول , وكانت الأرهاط المتعاقدة بني هاشم وبني المطلب وبني أسد
ابن عبد العزى وبني زهرة بن كلاب وبني تيم بن مرة.
نعم , كان من النقص في نظامهم أن لا تكون حماية الضعيف من خصائص
الجمهور , ولكن يظهر أنهم كانوا يكتفون في الضعيف بأن يجيره واحد من بيوت
العزة والقوة , فإنه يصير مثل مجيره في نظر الجمهور فلا يجسر أحد أن يبغي عليه.
ويمكننا أن نستخلص من كل ما تقدم أن القوم كان لهم شبه قانون أساسي , إلا
أنه غير مكتوب , ولم يكن لهم قوانين مدنية أو جنائية قط. والأمر في الأمور
المدنية سهل في المجتمعات البسيطة الصغيرة , فكل إنسان يستطيع فيها أن يحتفظ
بحقوقه , أو أن يستعين عليها بالتحكيم وما أشبهه.
وأما الحوادث الجنائية فلا يجوز إهمالها وتركها من غير أن يتولى الفصل فيها
أناس مقيدون بقوة تنفيذية مخافة أن تكثر الجنايات؛ ولكن تكافؤ القوى في العشائر
والبطون المتساكنين في بلد واحد قد يكون مانعا من كثرة الجنايات , وإذا أضيف إلى
ذلك صلاح الأخلاق والتربية العمومية كان هذا نعم الظهير على تقليل العدوان ,
وقد كان القوم يتواصون باجتناب الظلم , ولا سيما في البلد الأمين , ومن وصاياهم في
ذلك قول إحدى نسائهم توصي ابنا لها:
أبني لا تظلم بمك ... ة لا الصغير ولا الكبير
واحفظ محارمها بني ... ولا يغرنك الغرور
أبني من يظلم بمك ... ة يلق أطراف الشرور
أبني يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير
أبني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور
الله آمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور
والله آمن طيرها ... والعصم تأمن في ثبير
وتواصيهم بالنهي عن الظلم يغرينا بتعرف فلسفة القوم التي كانت تحثهم على
مثل هذا.
***
الفصل الثالث
(ديانة أهل مكة عند البعثة)
ويظهر لنا أنهم طرقوا كسائر الأمم باب الضالة المنشودة , وهي معرفة ما هي
نفوسنا ومن أين مبدأها , وإلى أين منتهاها , وماذا يزكيها , وماذا يدسيها.
نعم طرقوا هذا الباب , ولكن يفتح لهم عن الطريق الموصل إلى هذه الحقائق
المكنونة , بل كان نصيبهم كنصيب الأكثرين ظنونا ورجما بالغيب.
أدرك القوم أن للعالم خالقا ومدبرا، هو الذي خلق السموات والأرض وما
فيهن، وهو الذي خلق السمع والأبصار والأفئدة، وقالوا كما يقول سواهم: إنه
تستحب الرغبة إليه , والرهبة منه , ولكن في هذا السبيل تاهوا , فتركوا ههنا
العقل والتفكر , وقلدوا الأمم , واتخذوا من الحجارة أوثانا , وقالوا: إن تعظيم هذه
الأوثان يقرب إلى الله؛ لأن هذه الأوثان تماثيل , أو كتماثيل لأناس صالحين محبوبين
عند الله , فتعظيمهم لي درجة العبادة يقرب إلى الله.
لقد غلطوا في ظنهم أن الله يحب هذه الحجارة. وأخطئوا بزعمهم أن تنزيل
العقول إلى تعظيم هذا الجماد (بهذه الصورة) تعظيما قلبيا يرضي الله تعالى.
وحادوا عن الحق بتخيلهم أن هؤلاء يشفعون لهم عند الله تعالى.
وقد كان الواجب أن لا يكون في قلوبهم حب وعبودة إلا للحي القيوم , ولم
يكن جائزا أن يشركوا به الجماد.
وكان لهم أغلاط أخرى كثيرة في ذات الله سبحانه وصفاته وأفعاله , فقد زعم
بعضهم أن الملائكة بناته، وزعم بعضهم أن الجن شركاؤه في الملك , وظنوا
جميعهم أن لن يبعث الله بشرا ليعلمهم ويزكيهم.
غلطوا في كل هذا , وتسفلت فيه عقولهم , ولكن اعتقادهم بأن للعالم صانعا
مدبرا عظيما هو رب الكل , وأنه يجب أن يتقرب إليه العبيد قد رقق - على ما
فيه من النقص , والبعد عن الطريق القويم - قلوب كثير منهم , وكأنه أعدها لقبول
حق سيظهر نوره فيمحق خطيئاتهم الاعتقادية.
والمشهور أن القوم لم يكونوا يقولون بالمعاد والجزاء الأخروي , ولكن الحقيقة
أنهم كانوا في ريب وشك؛ أي: لم يكونوا جازمين بشيء في هذا الباب , وكان أناس
منهم تذهب بهم عقولهم إلى وجوب المعاد والجزاء الأخروي , ولكن عدم اعتقادهم
بالجزاء الأخروي لم يكن مانعا من أن تكون قلوبهم منجذبة إلى الأخلاق , والأعمال
الطيبة التي تحث على مثلها الديانات من البر , والإحسان , والعدل , والصدق ,
والكرم , وحماية الضعيف , وترك العدوان , والابتعاد عن الخيانة , والبغي , وما
أشبه هذه المناقب، وعقولهم إنما طرأ عليها التسفل إلى تعظيم الجماد؛ لأن الوثنية
هي الغالبة في عصرهم , ولا يبعد عن الصواب من يقول: إن الوثنية هي الغالبة
على طباع البشر كلهم إلا قليلا.
فإذا صرفنا نظرا عن تلوث عقولهم بنزغات الوثنية لا نجد من بعدها هذه
العقول مظلمة , وهي التي أضاءت لهم , فعرفوا بها الأخلاق الصالحة والفاسدة ,
ولم يكن يعوزهم إلا أن يقوم فيهم مرشد يهديهم للتي هي أقوم من طرائق الاعتقاد
بالله , وصفاته , والتقريب إليه بتوجيه الوجه , وإسلام القلب , ولولا أن للقوم
عقولا صافية لما رجي لمجيء المرشد من فائدة؛ لأنه لا يظهر نور الإرشاد إلا في
اللوح النقي , ولكن الرجاء بالقوم في محله , فإنه لما جاء المرشد لقي أراضي في
منتهى الاستعداد لما أراد أن يلقي البذار , وإلى جانبها أراض أخرى فيها من
أعشاب التمسك بالقديم ما يحتاج إلى زمن في معالجة إزالته , وقليل من الأراضي
كانت سبخة ليس في الإمكان أن ينتج فيها البذار.
لا يهولنك من القوم سقم عقولهم فيما كانوا يعتقدون , فإن البشر كلهم - إلا قليلا
- كانوا - ولا يزالون - يعتقدون أمثال معتقدات القوم؛ فواأسفاه! إن هذا العيب عام
وراسخ في البشر , ومن أصعب الأشياء استئصال جذوره , ولا ندري السر في هذا،
ولكن انظر إلى هذه الجماعة القليلة كيف أقامت لها شأنا رفيعا في العرب كلهم؛ إذ
غلبتهم على التوطن في جوار البيت المشرف , وأحسنت المقام في هذا الجوار
الشريف؛ فقامت بحقوق حجاجه من سقايتهم ورفادتهم، وقامت بحقوق المستضعفين
فيه من حمايتهم وتأمينهم، وقامت بسنن التضامن والتعاون والتواصي بالعدل
والإحسان حتى رضي العرب بتقديمهم عليهم إذا تقدموا وإياهم لأمر عظيم وشرف
جسيم , على أنهم ليسوا في العرب أكثر عددا، ولا أقوى ناصرا.
لا جرم قد خصهم الله بأفراد كانوا في نقاء القلوب آية، وبلغوا في صفاء العقول الغاية، والأمم والشعوب تحيى بأفراد وتموت بأفراد.
وإذا سخر الإله سعيدا ... لأناس فإنهم سعداء
ومما هو جدير بالذكر في هذا الصدد حريتهم التي كانوا عليها؛ فإنهم لما
خلصوا من تمليك أحد عليهم خلصوا من شرور كثيرة تتبع التمليك , فكانت
معاشراتهم ساذجة خالية من عبارات الملق والخنوع , وكانت مكاسبهم لأنفسهم لا
يشاركهم فيها مشارك , ولا يعرفون المغارم المرتبة، والإتاوات المضروبة.
وهم في أمن من حيف القضاة؛ لأنهم يتحاكمون يوم يشاءون إلى من يرضونه
من كبرائهم , ولا قانون لهم في المسائل الجزئية ترتعد من أحكامه فرائضهم , وإنما
يخشون بأس بعضهم؛ فيرتدعون عن الشر الذي يثأر له العموم أو يثأر له من
أصابهم خاصة.
وكان جائزا لأحدهم أن يتدين كما يريد بشرط أن لا يعيب دينهم الذي كانوا
عليه , ولا يدعو إلى إبطاله , وقد كان لبعضهم فلسفة في النشور والجزاء الأخروي
ولبعضهم انصراف عن عبادة الأوثان , ولبعضهم ميل إلى تقليد أهل الكتاب , فلم
يكونوا يحاسبون أحدا على مثل هذا.
ولم يكن لديهم نوع من المبايعات حراما , بل يبيعون ويشترون كما يشاءون ,
وكل منهم عارف بمصلحته , ولهم همة في التجارة والرحلة فيها إلى الشام وغيرها
في الصيف والشتاء.
أما أهل الصنعة فيهم , فلم يكن لهم من قيمة , والغالب أن يكون الصناع
غرباء.
ولهم إزاء حسنة الحرية سيئة كبيرة , وهي امتهان الرقيق واحتقاره وتكليفه
الشاق من الأمور , ولم يكن بعضهم يأنف من إكراه إمائه على البغاء؛ ليأخذ ما
يعطين في سبيله.
أما نساؤهم الحرائر , فلم يكن جائزا لهن الزنا , ولا سيما إذا كان لهن بعولة ,
بيد أنه لم ينقل لنا أنهم رتبوا على الزواني عقابا , بل كان عقابهن إلى رأي أهليهن
إذا شاءوا.
وكان لنسائهم كثير من الحقوق , ولهن أن يواجهن الرجال ويبرزن أمامهم
حاسرات , ويمكن أن يقال بالإجمال: إن حرية الرجال والنساء كانت تامة؛ ولذلك
نعجب من قوم هذا شأنهم إذا رأيناهم لم يرثوا لحال الرقيق , ولم يذكروا أنه يستحق
الرحمة؛ لأنه مسلوب أفضل كساء كساهموه ربهم الأعلى الذي خلق فسوى.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) من رواية خديجة أم المؤمنين.</span></span>