تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تجتذبه على غير انتباه من صاحبه هذه الحركة -حركة الجامعة الإسلامية - التي

هي من أعظم الحركات المتقهقرة، فلا تستحق أن يميل أحد إليها؛ لأنه قد يعسر

على الإنسان أن يميز شبح الجامعة الإسلامية؛ إذا تجلبب بجلباب الجامعة الوطنية

اه. كلام اللورد.

(المنار)

إن البحث في هذا الفصل الذي أقام المسلمين هنا وأقعدهم بحق ينحصر في

ثلاث مسائل: (1) الجامعة الإسلامية نفسها وما عده من أسباب استنكارها

وهو (2) إجازة الرق، و (3) مناقضة علاقات الرجال بالنساء لآراء أهل العصر

(4) الجمود على قوانين وضعت لأهل السذاجة.

(1)

الجامعة الإسلامية

يعرف اللورد كما يعرف جماهير القراء أن السيد جمال الدين الأفغاني كان

أشهر دعاة ما يسمونه الجامعة الإسلامية ذكرا، وأقواهم صوتا، وأكثرهم سعيا،

وأشدهم اضطلاعا، وقد اشتهر عنه أنه كان يحاول جمع كلمة المسلمين على خليفة

واحد أو سلطان منهم، والصحيح أنه لم يكن يدعو إلى ذلك، ولم يخطر له على بال

أن هذا مما تتناوله يد الإمكان، بل قال في معرض تنبيه المسلمين وحثهم على

الوحدة (ولست أعني أن يكون لهم إماما واحدا، فإن هذا ربما كان متعذرا، وإنما

أعني أن يكون إمامهم القرآن) .

وكان الأستاذ الإمام أعظم أنصاره في عمله بمصر وأوربا، وقد استقر رأيه

بعد السعي معه، والعمل من طريق السياسية والدين معا على قاعدة (ما دخلت

السياسة في عمل إلا وأفسدته) وكثيرا ما قال لنا: إن السيد جمال الدين كان أقدر

من عرفنا على الإصلاح، وأنه لولا افتتانه بالسياسة لعمل عملا عظيما، وأن

الأساس الذي يجب أن يبنى عليه إصلاح حال المسلمين هو تحرير الفكر من قيد

التقليد، وفهم الدين على طريقة السلف قبل ظهور الخلاف والبدع، واعتباره من

موازين العقل البشري التي وضعها الله - تعالى - لترد من شططه وتقلل من

خبطه، وأنه بهذا الاعتبار يعد صديق العلم، وباعثا على البحث في أسرار

الكون , ويتوقف هذا على إصلاح أساليب اللغة العربية وإحيائها في الألسنة

والأقلام.

وقد عرف اللورد الأستاذ المرحوم، وحمد طريقته هذه، وشبهها في بعض

تقاريره بطريقة السيد أحمد خان في الهند، وقال: إن حزبه جدير بالمساعدة

والتنشيط من الأوربيين. والذي نعرفه نحن بعد السيرعلى هذه الطريقة تسع

سنين وأشهرا، أن طلاب الإصلاح الإسلامي في مصر وسوريا وتونس كلهم على

طريقة الشيخ محمد عبده، كما أن معظم المصلحين في الهند على طريقة السيد أحمد

خان، ولا يوجد في غير هذه الأقطار حركة إسلامية إلى الإصلاح إلا في روسيا

وإيران.

فأما مسلمو روسيا فقد ثبت لدولتهم في الحرب الأخيرة وما أعقبته من

الثورة، أنهم خير رعاياها وأسلمهم قلوبا، وهم الآن لا يطلبون من حكومتهم

إلا العدل والمساواة، ومن أنفسهم إلا العلم والثروة.

وأما الفرس فحركتهم محصورة في إصلاح حال حكومتهم، وليس بين هؤلاء

ولا أولئك وبين سائر المسلمين صلات سياسية، ولا أحد منهم يقاوم

الأوربيين؛ وهم يسكنون الأحقاد لا يهيجونها.

فالجامعة الإسلامية بالمعنى الذي يفهم من كلامه لا وجود لها في الأرض،

وإنما يوجد في المسلمين دعوتان: دعوة إسلامية وتنحصر فيما بيناه آنفا وهو ترك

البدع والجمع بين الدين وبين العلم والمدنية، ودعوة وطنية أو سياسية؛ وهي

تنحصر في مطالبة أصحاب السلطة فيهم بما يرقي بلادهم، ويحفظ حقوقهم فيها،

ولا علاقة لهذه الدعوة بالدين، بل كثيرا ما تخالفه.

نعم إنه يوجد في كل بلاد من القوالين أفراد؛ يتخذون اسم الإسلام، والجامعة

الإسلامية، والخلافة الدينية، والخليفة الأعظم، والعالم الإسلامي، وغير ذلك من

الكلمات أناشيد تستمال بها النفوس؛ لتعظيم القائل أو لبذل المال له، وقد يوهم

كلامهم شيئا مما أشار إليه اللورد، وإننا جازمون بأن هؤلاء لا عمل لهم في الإسلام

يخشى أو يرجى، ولا دعوة لهم تطاع أو تعصي، وإنما مثلهم كمثل أصحاب تلك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٩٠