تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنتج غير اضطرام نيران التعصب في أمكنة متفرقة؛ كما سبقت إليه الإشارة،

فذلك:

أولا - لأني لا أصدق أن المسلمين يتحدون معا ويتعاونون، متى خرجت

المسألة عن القول إلى الفعل.

وثانيا - لأني واثق بقوة أوربا واقتدارها عند الاقتضاء على تلافي هذه

الحركة من الجهة المادية، وإن كانت غير قادرة على ذلك من الجهة الروحية.

والجامعة الإسلامية أيضا عبارة عن معان أخرى غير معناها الأصلي. ولكنها

لا تخلو من علاقة به. وهذه المعاني أهم بالنظر إلى ما نحن فيه من المعنى الأعم

الذي سبقت الإشارة إليه.

فمنها أولا في مصر، الخضوع للسلطان وترويج مقاصده، وهذا المعنى يدل

على دخول عنصر جديد في حالة مصر السياسية. فقد كانت الحركة الوطنية

المصرية دائرة على مضادة الترك إلى عهد قريب؛ إذ الثورة العرابية كانت في

الأصل على تركيا والترك، أما الآن فيبلغني أن زعماء الحركة الوطنية يقولون

إنهم لا يقصدون توثيق عرى الاتحاد بين تركيا ومصر، وإنما يقصدون حفظ سيادة

السلطان على مصر. ولكن قولهم هذا يختلف عما كانوا يقولونه منذ عهد قريب

جدا اختلافا جليا، بحيث لا يتمالك الإنسان عن الظن بأن قولهم الآخر إنما خطر

على بالهم بعدما علموا أنهم إذا وسعوا نطاق العلائق التركية، أبعدوا عنهم أميالا

يتمنون قربها منهم ودوامها معهم. ولكن ليس من الإنصاف تقييد الحزب الوطني

جملة بأقوال يلقيها أفراد قليلون غير مسؤولين على عواهنها. فإذا سلمنا بأن القول

الأخير هو رأي الحزب الوطني الصحيح، فعندي عليه أن سيادة السلطان على

مصر لم ينازع فيها قط على ما أعلم، ولا يحتمل أن يصيبها شيء، ما دام كل ذوي

الشأن في الفرمان - الذي هو اتفاق بين فريقين كما لا يخفى - لا يفعلون شيئا

خارجا عن دائرة حقوقهم. فحادثة سيناء، إنما بلغت ما بلغت من الأهمية وعظم

الشأن؛ لما خيف من خرق حرمة الفرمان، وما يتصل به من المستندات الرسمية

المحسوبة جزأ منه على وجه يعود بالضررعلى القطر المصري.

وثانيا إن الجامعة الإسلامية؛ تستلزم بالضرورة تهييج الأحقاد الجنسية

والدينية إلا في ما ندر. فلا شك أن كثيرين من أنصارها ينصرونها عن حرارة

دينية حقيقية، وآخرين يودون لو أمكنهم أن يفرقوا بين القضايا السياسية والدينية،

وبينها وبين الجنسية أيضا؛ إما لأن مبالاتهم بالدين قد قلت، حتى أوشكوا أن يحكوا

(اللاأدريين) أو لكون أغراضهم سياسية، أو لكونهم يقصدون تحين الفرص للانتفاع

بها، أو لكونهم اتبعوا الآراء الحديثة عن وجوب التسامح في الدين كما هو مأمولي.

ولكن متى كانت هذه رغبتهم ومقاصدهم، فلا شك عندي أنهم يعجزون عن تنفيذها؛

لأنهم إن لم يقنعوا عامة المسلمين بأفعالهم أنهم من المسلمين المجاهدين، لم

يستطيعوا أن يحولوا انتباههم إليهم، ولا أن يكتسبوا ميلهم أيضا. فالضرورة تقضي

عليهم بتهييج الأحقاد الجنسية أو الدينية: إما ظاهرا أو خفية؛ ليرقوا بيانهم السياسي.

وثالثا: إن الجامعة الإسلامية تستلزم تقريبا السعي في إصلاح أمر الإسلام

على النهج الإسلامي، وبعبارة أخرى السعي في القرن العشرين في إعادة مبادئ

وضعت منذ ألف سنة [5] هدى لهيئة اجتماعية في حالة الفطرة والسذاجة، وهذه

المبادئ منها ما يجيز الرق، ومنها ما يتضمن سننا وشرائع عن علاقات الرجال

والنساء؛ مناقضة لآراء أهل هذا العصر، ومنها ما يتضمن أمرا أهم من ذلك كله؛

وهو إفراغ القوانين المدنية، والجنائية، والملية في قالب واحد لا يقبل تغييرا ولا

تحويرا، وهذا ما وقف تقدم البلدان التي دان أهلها بدين الإسلام.

فلهذه الأسباب؛ وبقطع النظر عن كل الاعتبارات السياسية، لا يجد المهتمون

بإصلاح مصر بدا من استنكار الدعوة إلى الجامعة الإسلامية. ويجب أيضا بذل

أقصى العناية في السهر على كل ميل طبيعي جائز إلى الجامعة الوطنية؛ لكيلا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٨٩