تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مصبوغة صبغا شديدا بصبغة الجامعة الإسلامية. وهذا الأمر كان معلوما عندي منذ

زمان طويل، وقد علمه كثيرون من الأوربيين الآن، كما يظهر مما يرد في

الجرائد المحلية؛ ولكن علمهم به أبطأ كثيرا. ويسهل علي إيراد كثير من الشواهد

والأدلة على صحة هذا القول، إذا اقتضى الأمر إيرادها [2] . ولكن أقول الآن:

إن الحوادث التي حدثت في الصيف الماضي، إنما كشفت عنصرا جديدا من

عناصر الحالة المصرية؛ لأنه ولو سلم الإنسان بما لا ريب في صحته؛ وهو أن

الدين أعظم قوة محركة في الشرق [3] وأن الشرقيين لا تحلو لهم حكومة كالحكومة

الثيوقراطية [4] فقد كان يجوز له مع ذلك أن ينتظر.

إن تذكر المصريين لما أصابهم في الماضي واعتبارهم؛ لتقدم بلادهم في

الثروة واليسر في الحال تقدما عظيما جدا بالنسبة إلى ما جاوروها من الولايات

العثمانية، يحولان دون نمو الجامعة الإسلامية في بلادهم أكثر مما حالا في الظاهر،

وإنما قلت في (في الظاهر) لأني رغما عن كل الظواهر، لا أزال غير مقتنع بأن

الميل إلى الجامعة الإسلامية متأصل كثيرا في الهيئة الاجتماعية المصرية، بل إني

واثق أنه لو كان المصريون يعتقدون إمكان إخراج الآراء المتعلقة بتلك الجامعة من

القوة إلى الفعل، لانقلب الرأي العام عليها انقلابا عظيما سريعا.

ومهما يكن من ذلك، فقد اتضح أن الجامعة الإسلامية عنصر من عناصر

الحالة المصرية؛ التي يجب حفظها في البال، فلذلك يحسن بنا فهم المقصود منها.

المقصود من الجامعة الإسلامية بوجه الإجمال؛ اجتماع المسلمين في العالم كله

على تحدي قوات الدول المسيحية ومقاومتها، فإذا نظر إليها من هذا الوجه، وجب

على كل الأمم الأوربية التي لها مصالح سياسية في الشرق، أن تراقب هذه الحركة

مراقبة دقيقة؛ لأنها يمكن أن تؤدي إلى حوادث متفرقة، فتضرم فيها نيران

التعصب الديني في جهات مختلفة من العالم. وقد أوشكت هذه النيران أن تضطرم

بمصر في الربيع الماضي. على أني أرى قوما يقولون: إن القلق الذي جرت

الإشارة إليه في مجلس النواب في الصيف الماضي كان وهميا، فأنا لا أوافقهم على

هذا القول مطلقا؛ لأن طبع الطبقات الدنيا من أهل مصر ولا سيما سكان المدن

متقلب كثيرا. فهاجوا من قراءة المقالات التي كانت تصدر في الجرائد الإسلامية

طافحة بالإغراء والكذب هيجانا شديدا دفعة واحدة، وسكنوا دفعة واحدة، كذلك

عندما زيدت عساكر جيش الاحتلال، ولطفت الجرائد الإسلامية لهجتها بتشديد

العقلاء من أهل بلادها النكير عليها. ولكن لا ريب عندي أن البلاد كانت عرضة

لخطر حقيقي برهة من الزمن، فقد جاءتني أخبار وتقارير عديدة عن تهديد

المسيحيين والأوربيين. ثم إن الأخبار الغامضة المبهمة التي تشيع قبل حدوث

الفتن والقلاقل في الشرق عادة؛ شاعت شيوعا يستحق الاعتبار، حتى تولى الرعب

الأوربيين الساكنين في القطر، فجعلوا يتقاطرون من القرى إلى المدن، ولم

يعترهم هذا الرعب لغير سبب معقول، فقد شرحت في تقريري عن سنة 1905

(وجه 17-19) ما جرى في الإسكندرية أواخر سنة 1905، حين أفضى وقوع

الخصام بين رجلين يونانيين إلى شغب عظيم، لم يلبث أن انقلب هيجانا على

المسيحيين. فلو اتفق حدوث حادثة من هذا القبيل في إبان الهيجان الذي حصل؛

بسبب حادثة الحدود بين تركيا ومصر- وحدوثها لم يكن أمرا بعيدا - لأمكن، بل

لترجح أنها كانت تفضي إلى عواقب وخيمة.

أما ما يقوله قوم آخرون من أن ذلك القلق أتي عن سياسة الحكومتين البريطانية

والمصرية في أمور مصر الداخلية، فخال من كل أثر للصحة؛ لأن

القلق كله وليس بعضه فقط نتج عن تصديق خلق كثير من الأهالي الذين كانوا

تحت تأثير الجامعة الإسلامية، لما كان يقال لهم من أن ما كان يجري حينئذ، إنما

كان يقصد به التعدي على رأس الديانة الإسلامية.

ولنعد إلى ما كنا عليه فأقول: إني إن كنت لا أصدق أن الجامعة الإسلامية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٨٨