تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسلمون.

والذي أحب أن يعرفه موسيو هانوتو؛ أن سياسة الدولة العثمانية مع الدول

الأوربية ليست بسياسة دينية، ولم تكن قط دينية من يوم نشأتها إلى اليوم. وإنما

كانت في سابق الأيام دولة فتح وغلبة، وفي أخرياتها دولة سياسة ومدافعة، ولا

دخل للدين في شيء من معاملاتها مع الأمم الأوربية.

إمبراطور ألمانيا جاء إلى سوريا؛ للاحتفال بفتح كنيسة، فبالغ السلطان في

الاحتفال به إلى الحد الذي اشتهر وبهر. يجيء الأمراء المسيحيون من الأوربيين

إلى الآستانة، فيلاقون من الاحتفال ما لا يلاقونه في بلاد مسيحية، وينفق في تعظيم

شأنهم من المال، ما المسلمون في حاجة إليه، أليس ذلك لمجاملتهم واكتساب مودتهم؟

وهل بعد المودة إلا الثقة بصاحب المودة؟ كان يمكن للسلطان أن يكتفي

بالرسميات ولا يزيد عليها. ولكن عهد في معاملته ما يفوق الرسمي بدرجات، فإن

سلمنا أن سياسة أوربا ليست بدينية من جميع وجوهها. فسياسة الدولة العثمانية مع

أوربا هي كذلك، ومسلموها تبع لها.

فإن قال قائل: إن حوادث الأرمن لم تزل في ذاكرة أهل الوقت، وينسبون

وقائعها إلى التعصب الديني، بل يقولون: إن أسبابها مظالم جر إليها ذلك التعصب

أمكن أن يجاب بأن العداوة مع طائفة مخصوصة لا تدل على فقد الثقة بكل مسيحي

منها ومن غيرها، ومع ذلك فإن كثيرا من الأرمن في خدمة الدولة إلى اليوم، وهم

بذلك موضع ثقتها، وهذا وذاك يدل على الريب فيما يزعمون من أن منشأ تلك

الوقائع التعصب الديني. فإن المسيحيين سواهم في الممالك العثمانية أنعم حالا من

المسلمين، كما شاهدناه بأنفسنا، ولو أنصف الأوربيون لأمكنهم فهم أسباب هذا

الاضطراب الذي يظهر زمنا بعد زمن في تلك الأقطار، ولسهل عليهم أن يعرفوا أن

منبعه في أوربا لا في آسيا.

لا يغث علي أن أقول: إن المسيحيين في الممالك العثمانية متمتعون بنوع

من الحرية في التعليم والتربية وسائر وجوه الخير، يتمنى المسلمون أن يساووهم

فيه. فهل هذا عنوان سوء الظن بالمسيحيين وعدم الثقة بهم؟ لا يليق بكاتب مثل

صاحب الجريدة؛ أن يروي عن المسلمين كافة مثل ما رواه؛ فإن ذلك مما يحزن

المسلمين والمسيحيين جميعا، وإني أعتقد أنه عند الكلام على المسلمين، لم يكن في

ذهنه إلا بعض أشخاص لم تعجبه آراؤهم فيه، فاستحضر في صورهم جميع

المسلمين وسياسييهم.

ليعلم موسيو هانوتو أن جميع ما يقال له أو يكتبه بعض العثمانيين، لا حقيقة

له إلا في ذهن القائل أو الكاتب، فلا ينبغي أن يعول على مثله في أحكامه، وعليه

أن يحقق الأمر بنفسه؛ إن كان يهمه أن يتكلم فيه.

وأما أن المسلمين أخذوا عليه فيما كتب عن الإسلام؛ مع أنه خدمهم. وقوله:

فكيف بحالهم مع من لم يخدمهم - فنبين له الوجه فيه؛ ليزول عنه ما سبق إلى فهمه

لو اقتصر على الكلام في السياسة، وبحث في علاقة المسلمين مع حكومته، ولم

يسط على الدين نفسه في أصلين من أهم أصوله، لما أخذ عليه أحد إلا من ينتقد

رأيه من جهة ما هو صحيح أو غير صحيح. ولكنه لم يكتف بذلك، وطعن في عقيدة

التوحيد، وبين رداءة أثرها في المسلمين، واستل سلاحه على عقيدة القدر، وبين

سوء ما جرت إليه فيهم، وهو بذلك يثبت أن المسلمين لا يزالون منحطين، ما

داموا مسلمين، وهو ما لا يرضاه أحد منهم.

لو لام على المسلمين فيما هم عليه اليوم وفي انحرافهم عن أصول دينهم،

واكتفى بتعنيفهم على إهمالهم لشؤونهم، وغفلتهم عن مصلحتهم، كما جاء في حديثه

الذي نحن بصدده، لما وجد من المسلمين إلا معتبرا بقوله، متعظا بنصيحته والسلام.

***

قول اللورد كرومر

في

الجامعة الإسلامية والشريعة

(مأخوذ من ترجمة إدارة المقطم لتقريره الأخير عن سنة 1906)

إذا قلنا: إن الحركة الوطنية المصرية الحالية ليست إلا حركة إلى الجامعة

الإسلامية، لم يطابق قولنا الواقع من كل وجه. ولكن لا ريب في كون هذه الحركة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٨٧