الدليل السادس: عدم الاستفادة من التعريب لأننا على فرض تسليمنا جواز
التعريب، فما الفائدة لنا ولأمم أوربا فيه؟ إن قلنا: توحيد لسان العلم وتقربنا من أمم
أوربا كما فعلوا هم، يمنعنا منه عدة أمور:
(1) إن حروف كتابتنا عربية، وحروف ممالك أوربا لاتينية، وهم
يكتبون حروفهم من الشمال إلى اليمين، ونحن نكتب حروفنا من اليمين إلى الشمال.
(2) إن مخارج حروفهم غير مخارج حروفنا.
(3) إن قاعدة التعريب تقتضي أن تكسر الكلمة وتهشمها حتى تصير إلى
صورة عربية، فإن كانت من الكلمات التي تزيد حروفها عن سبع وجب أن نصغرها
حتى تصل إلى سبع ونغير بعض حروفها بأخرى، ونضع في آخرها جيما اذا كان
آخرها لا يستقيم كما قالوا في (تازا) طازج ثم نجمعها جموعا ليس في آخرها
(g) ولا (x) أعني أننا نصهرها في بودقة ونضربها بسكة أخرى، فبعد أن
تكون (شلنا) تصير قطعة بخمسة لا يتعامل بها في أوربا، ولئن كان حب التقرب من أوربا يضطرنا إلى استعمال كلماتهم في لغتنا لقد حق علينا أن نستعمل
كلمات من هم أحق منهم بالقربى وهم العامة في مصر والشام والمغرب والعراق مع
اتفاقنا جميعا على نبذها وتعيير من يدرجها في كتابته، مع إن فيها من
الألفاظ الدقيقة المعنى ما ليس له نظير في الفصيح مثل كلمة (يادوب) فما لنا نكون
حربا على أممنا وسلما لغيرنا.
هذه هي طريقتنا وتللك أدلتنا، وقد أزلت في مقامي هذا وفي الاجتماع
الماضي جميع الشبه التي يمكن أن تخطر على قلب من يرى غير رأينا.
وأما خطبة حضرة مناظري فإنها من حسن الحظ لم تكلفنا كبير مؤنة في الرد
عليه فإني بعد أن سمعتها من حضرته وقرأتها مرارا ومخضتها مخضا لم تجد علي
بأكثر من ثلاثة احتجاجات:
(الاحتجاج الأول) قال: إن حجتنا في منعنا التعريب هو تشبيهنا اللغة
بالدين، وهو احتجاج تخيله من نفسه ما قلته أنا وما قاله أحد ممن يرى رأيي،
وعلى هذا الخيال أخذ يفرق بين الدين واللغة وأن هذا وضع الله وهذه من وضع
الأفراد إلخ.
(الاحتجاج الثاني) قال: إن طريقة التوسع في الاستعمال بالتجوز
تجر إلى تغير في وضع الكلمة الأصلي وهذا التغير وضع من جديد. وأنكر ذلك
إنكارا شديدا فقال: إننا اذا أخذنا الكلمة واستعملناها في شيء جديد (مع قرينة) لم
نكن قد جرينا على لغة العرب لأننا خالفنا أوضاعهم ومقاصدهم. إلى أن قال في
طريقتنا أننا نجري على خطة لا أساس لها مع وصف الخروج عن أوضاع المتقدمين.
ونقول: إننا لا نتكلف الرد على هذا الاحتجاج بأنفسنا، بل نكل ذلك لحضرته،
وكل من قرأ كلام العرب ويعرف ما هي أوضاع المتقدمين. فالعرب أنفسهم استعملوا
طريق التوسع في الوضع والمجاز، وكلكم يعرف أن المتقدمين وضعوا لهذه المسألة
وحدها علمين، علم الوضع، وعلم البيان، وما ذاك إلا أنها أصل من أصول اللغة
وكل الاصطلاحات الدينية والعلمية والصناعية وأسماء الآلات من هذا القبيل، وهو
يدرس كل يوم (معنى الكلمة لغة واصطلاحا) وهذه الطريقة التي ينكرها ويقول أنها
لا أساس لها وأنها تخالف أوضاع العرب إلخ، قد نقض رأيه فيها في موضع آخر من
الخطبة، فإنه قسم طرق الوضع إلى ثلاث، فقال: والمعقول في اختيار اللفظ للمعنى
ثلاث طرق:
(1) الوضع من جديد.
(2) التوسع في الاستعمال، وهو المراد بالتجوز بأن يكون اللفظ قد وضع
بإزاء مسمى، ولمناسبة بين المسمى القديم والجديد يستعمل ذلك اللفظ في المعنى
الجديد.
فترون أنه لم يكتف بأن جعل طريقتنا معقولة حتى جعلها إحدى الطرق الثلاث
التي هي طريقة الوضع من جديد وهذه منعها بتة ونحن نمنعها معه.
والثالثة طريقة التعريب، وهو يجيزها، وأنا أمنعها ففيها خلاف؛ فما بقيت إلا
طريقتي وهي بإقراره معقولة أساسية.
(الاحتجاج الثالث) وقد كرره في عدة مواضع أن طريقتنا في التجوز تجر
إلى الاشتراك، واشتراك الألفاظ في المعاني مما يخل بأصل المقصود منها والتجوز