تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأسود سمى علم النحو نحوا لأن عليا - رضي الله عنه- لقنه بعض قواعده، وقال

له: (انح هذا النحو) وأن علماء طبقات الأرض من الإفرنج سموا أحد الصخور

باسم (الخجل) لأنهم لم يعرفوا له تركيبا، تحققنا من أننا نجد حتما كل اسم

والاصطلاح وحده وضع آخر.

وإذ سمعتم يا حضرات الأفاضل طريقتي وجب علي أن أشرح لكم الأدلة

والبراهين التي قامت عندي على صحتها.

الدليل الأول: إن التعريب ليس من حقوقنا لأننا لم نر أحدا من أئمة اللغة

أنكر أن التعريب حق للعرب وحدهم، وأن زمنه ينتهي على أوسط تقدير إلى أوائل

القرن الثالث، وفي هذا المقام ندفع شبهة قد وهم فيها بعضهم عند تكلمي في هذا

المقام في الاجتماع الماضي؛ وهي قوله: تقول: إننا لسنا عربا في مقام ثم ترجع

وتقول في مقام آخر: إننا نحافظ بمنعنا دخول الكلمات الأعجمية في لغتنا على سلامة

جنسيتنا العربية. فنقول له: إننا نعني بالعرب العرب الذين يعتد بعربيتهم في اللسان

لا في النسب والجنس فمثل عنترة وبلال مؤذن رسول الله صلى الله علية وسلم

وصهيب صاحبه والحسن البصري وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وسعيد

بن جبير ونصيب وعبد بني الحسحاس وابن المقفع - كلهم عرب في ألسنتهم لا في

جنسهم وأنسابهم، فمنهم الهجين، والزنجي، والحبشي، والفارسي والرومي. ومثل

عرب جاوه ومالطه وعرب أسبانيا وعرب المغرب والشام ومصر ليسوا عربا في

ألسنتهم وإن كانوا عربا في أنسابهم. وكلنا لا ينكر أن فينا الهاشمي الذي لا يحسن

قراءة الفاتحة، ومثله كثير في بلاد الترك وفارس والهند والصين وإذا سمانا التاريخ

وعلم تقويم البلدان عربا، فإنما يعني علماؤهما العربية الجنسية وإذا قالوا عند ذكر

بلادنا: إن لغتها العربية، فإنما يعنون أن لغة الكتابة والقراءة والعلم والتعليم هي

العربية، أو أنهم يتساهلون في إطلاق العربية على العامية لأن أكثر ألفاظها محرفة

عن العربية وأن أساليبها لم تزل بعد عليها مسحة الأساليب العربية، ولذلك لم يحرمنا

أئمة اللغة حق الارتفاق بهذه الصلة اللسانية فسمونا مولدين، أي أننا نصف أعراب في

اللسان إن لم نكن نصف أعراب في الجنس، إذن فمعنى العرب في كلامنا ما يقابل

المولدين لا ما يقابل الرومي والصقلي.

الدليل الثاني: المحافظة على سلامة اللغة من فشو الدخيل فيها مع التوسع في

استعمال ألفاظها، فإننا وجدنا العرب عند وضعهم للعلوم وترجمتهم لكتب غيرهم،

واقتباسهم صنائعهم؛ لم يرجعوا في تسمية المصطلحات وأسماء الآلات إلا إلى

التوسع في استعمال ألفاظ اللغة اقتداء بالقرآن في تسمية شعائر الدين بأسماء

استعملت قبل القرآن فيما يشبهها كما بينا ذلك آنفا.

الدليل الثالث: المحافظة على صحة فهم القرآن لأننا إذا أبحنا لنا وأولادنا

وأحفادنا إدخال الألوف المؤلفة من الكلمات الأعجمية، وأبحنا لهم كما يرى مناظري

الفاضل اشتقاق جميع المشتقات منها - كنا قد صبغنا اللغة بصبغة إفرنجية لا يتميز

معها العربي من الدخيل، ولاختلط الأمر وأثر الفساد في حالة مدارسة القرآن

وكتب السنة.

الدليل الرابع: المحافظة على البقية الباقية عندنا من الجنسية العربية، فإن هذه

الجنسية المميزة لنا عن سوانا والتي تصلنا بأعظم أمة فاتحة ذات دين وشريعة

ومدنية عظيمة لم تدم لنا إلا بنسبة محافظتنا على القليل من اللسان العربي، فإن

نحن حرسنا بهذا القليل ما نجتلبه من الأجنبي الذي سيستمر آخذا في الزيادة وذلك في

النقصان نسخ الجديد القديم، ويتلو ذلك نسخ جنسنا، وكفى بذلك ذلا وفناء.

الدليل الخامس: توسيع نطاق اللغة العربية وجعلها لغة علم وصناعة؛ إذ

بنقلنا أسماء عربية قديمة لمعان اصطلاحية نكون قد زدنا في مدلولات اللغة وألفاظها

شيئا كثيرا من غير أن نحقنها بهذا المصل الغريب المجهول التأثير الذي إن لم

يعجل منيتها فلا أقل من أن يخلف ندوبا في جسمها مع إمكان مداواتها بغيره.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٩٤