لابد فيه من إقامة القرائن على إرادة ما استعمل اللفظ فيه.
وقال عن نفسه وعمن يرى رأيه: (وهذا وذاك كثيرا ما وقفنا حيارى في فهم
المراد من بعض الألفاظ، فهل نريد بعد ذلك أن نضيف إلى آلامنا آلاما) ، فنقول:
جنبنا الله الحيرة وباعدنا من هذه الآلام. فيم الحيرة وفيم التألم؟ لا توجد لغة في
الأرض إلا والمشترك فيها قسم مهم من أقساط اللفظ.
وبعد فأي لفظ بل جملة من الكلام تفهم بغير قرينة؟ والقرائن في الحقيقة لا
تتناهى، ولئن كان المشترك يحول دون فهم المعنى أو يوقع القارئ في الآلام، لقد
ضل واضعو العلوم ضلالا مبينا وجنوا على الناس جناية لا تغتفر بإيقاعهم في
الآلام والحيرة، ولكننا والحمد لله لم نر مهندسا اشتبهت عليه زاوية المثلث بزاوية
الكلشني ومنشور الأجسام بمنشور النظارة، كما لم نر طبيبا اشتبه عليه مرض
الاستسقاء بصلاة الاستسقاء.
هذه هي كل ما في خطبة مناظري الفاضل في احتجاجه على طريقتنا، وباقي
ما فيها مقدمة ليست من موضوع البحث وحكاية الطريقة التي كانت العرب تتبعها
في مثل الباء والفاء الفارسيتين، وهي ليست من موضوع الخلاف. ثم نتيجة قرر
فيها أنه لا يسمح بوضع اسم عربي لمسمى حديث إلا إذا دل عليه بنفسه (يعني لا
بقرينة) وبذلك قد حرم طريقة التجوز بتاتا.
هذا ما رأيته في شرح طريقتي ورد الشبه التي ترد عليها، والله أسأل أن
يعصمنا من الزلل ويجنبنا الخطأ ويمدنا بروح منه، والسلام عليكم ورحمة الله.
أحمد الإسكندري
***
رأي المنار في
الخطبتين والتعريب
إن ما ذهب إليه صاحب هذا الخطاب في مسألة التعريب من كونه خاصا بمن
يحتج بعربيتهم هو المقرر عند علماء هذا الشأن، وقد توسع هو في الذين يعتد
بعربيتهم. ولكن ماقرروه في ذلك لم يمنع العلماء والأدباء من اقتباس الكلم الكثير
من الأعاجم عند ما ساقتهم الحاجة إلى ذلك. نعم إن علماء اللغة سموا ما استعمله من
لا يعتد بعربيتهم لضعف الملكة فيهم مولدا لا معربا كما سموهم المولدين، فإذا كان
الشيخ أحمد الإسكندري يبيح لأهل هذا العصر ذلك ويمنع تسمية ما يستعملونه من
كلام الأعاجم بالمعرب، ويخصه بلفظ المولد فالخلاف يكون لفظيا لأن غرض من
يقول بالتعريب هو إباحة إدخال الألفاظ الأعجمية في العربية عند الحاجة مع
التصرف بها، كما تصرف الأولون ولا يبالون أسميت معربة أم سميت باسم آخر.
وقد علمت أنه يمنع هذا الاستعمال مطلقا وهو المنع الذي لا سلف له فيه. أما القول
باجتناب الإكثار منها والوقوف فيها عند حد الضرورة فلا أرى أن أحدا غيره يخالف
فيه.
ولكم هممت بأن أنظر فيما جمعوه من الكلم المعرب والمولد وأرجعه إلى
قواعد عامة إذا أمكن ولم أجد سعة في وقتي لذلك. ولعلنا لو اطلعنا على كتاب أبي
منصور الجواليقي لوجدنا فيه غناء يكفينا في هذا المطلب كل عناء.
إنه لا خلاف بيننا وبين الإسكندري إلا في التعريب، فنحن نجيزه عند الحاجة
إليه، وهو يمنعه مطلقا ويدعي أنه يجري في ذلك على سنن سلفنا في ترجمة علوم
اليونان، ولا نسلم له ذلك فإنهم قد عربوا كثيرا من الكلم. ومن قال إن المعرب
خاص بما نطقت به العرب في جاهليتها ومن يعتد بعربيتهم في الإسلام - فذاك
اصطلاح من هم على تسميته لا حكم يمنعه وإلا فقد قال الخفاجي في مقدمته لشفاء
الغليل (فما عربه المتأخرون يعد مولدا، وكثيرا ما وقع مثله في كتب الحكمة
والطب وصاحب القاموس يتبعهم من غير تنبيه) فعلم من هذا أن التعريب واقع
من المتقدمين والمتأخرين، ولكن علماء اللغة سموا ما سمع من العرب قبل التباس
العجمة بألسنتها معربا، وسموا ما سمع ممن بعدهم مولدا، وقد أحسنوا بذلك كل
الإحسان؛ إذ هو من مباحث تاريخ اللغة الذي يدل على معرفة تاريخ أهلها. وما
اقترحه الخضري من تميز ما نعربه في هذا العصر من غيره يجري على هذه
الطريقة وأزيد عليه استحسان إطلاق اسم خاص عليه (المتحدث) .