تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تمنع الاجتهاد في اللغة كما منع من قبل الاجتهاد في الدين، وأنها تفرق بين اللغة

وبين العلم والصناعة، وأنها تقاوم الرقي الطبيعي للغات وغير ذلك مما لم يكن له

موضع إلا أخيلتهم فقط.

يا حضرات الأفاضل إني لم آت لحفظ لغتنا بأمر غريب، وما جئت شيئا نكرا.

فإني لم أسلك إلا الطريقة التي سلكها أسلافنا عندما أرادوا أن يدونوا علومهم ويترجموا

كتب غيرهم من الأمم. كانوا - رحم الله أيامهم- يضعون لاصطلاحات علومهم

أسماء منقولة من العربية المحضة بنوع من التساهل والتجوز في المعنيين القديم

والجديد، ولم ينكر أحد عليهم ذلك حتى أهل زماننا، فوضعوا مصطلحات النحو

والصرف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقافية ومصطلح الحديث والتفسير

وأصول الفقه وفروعه والتوحيد، كما وضعوا مصطلحات العلوم التي ترجموها

مثل المنطق والحكمة الإلهية والطبيعية والحساب والهندسة والفلك. وغير ذلك العلوم

التي لو أردت إحصاء مصطلحاتها لعددت عشرات الألوف من الكلمات كلها عربية

لها معان اصطلاحية ومعان لغوية، ومثل ذلك آلات الصناعة والعلوم. و (كتاب

المخصص) و (فقه اللغة) و (كتاب العين) للخليل وجمهرة ابن دريد ونوادر ابن

الأعرابي ومفردات ابن البيطار والمادة الطبية للرشيدي وقاموس نجاري بيك، كلها

بحور زاخرة بأسماء النبات والحيوان والآلات.

ولم يكن العرب يبتدعون ذلك من عند أنفسهم بل إنهم اهتدوا فيه بهدي القرآن

الكريم فأكثر ألفاظ القرآن الدينية لم تكن العرب تعرفها قبل الإسلام بهذه المعاني، فقد

جاء الإسلام وما تعرف العرب من معنى الصلاة إلا الدعاء ومن معنى التيمم إلا

القصد، ومن معنى الزكاة إلا الطهارة، ومن الفسق إلا قولهم فسقت الرطبة، ومثل

ذلك كثير في القرآن؛ فاستعملها في هذه المعاني الجديدة الدينية، ولم تنكر العرب هذا

الاستعمال. ولئن جاز أن ندخل مثل مباحثنا من الدين في باب الحظر والإباحة

لجاز لنا أن نقول: إن هذا إقرار من الله تعالى على صحة التوسع في استعمال

الألفاظ؛ اذ لو أثبتنا هذه الطريقة في تسمية الآلات والاصطلاحات الجديدة لم نكن

تابعين إلا للسنة التي سنها الله تعالى في تسمية كل جديد، ولسنة رسول الله صلى الله

عليه وسلم، وسنة الأئمة وواضعي العلوم ومترجميها من سلف الامة؛ وإذا فصلنا

هذه الطريقة أمكننا أن نقررها فيما يأتي:

(1) لا يجوز النقل من غير لغة العرب إلا الأعلام.

(2) لا نأخذ الكلمة للشيء الجديد إلا من غريب اللغة أو القليل الاستعمال

مما هو عندنا بمنزلة اللاتيني عندهم لتقليل الاشتراك بقدر الإمكان.

(3) إن كيفية الترجمة لا تخرج عن الطريقة الآتية:

ثم قال بعد ان لخص طريقته التي ذكرها في الخطاب الأول:

وقد يعترض بعض المتحذلقين بقوله: لا غنى لنا عن أن نترجم بعض الآلات

بكلمتين فأكثر مع أنها كلمة واحدة في الإفرنجية.

فنقول في الرد عليه: أما الكلمتان فلا بأس باستعمالهما إذا كانتا لصفة

وموصوف ومضاف ومضاف إليه، لأنهما كالشيء الواحد مثل (القباب الطيارة)

و (المحراث البخاري) و (سكة الحديد) ومع هذا فإن اللغة الإفرنجية نفسها لم تسلم

من ذلك كثيرا. أما ما زاد على ثلاث فإننا لا نلتجئ إليه بل نسمي الكلمة التي لا

تترجم تسمية جديدة كما نسمي (السينمافون) ومعناها الصور المتحركة الناطقة

بالخيال الناطق.

واذا قيل: إن ذلك يستدعي عملا كثيرا وأزمانا طويلة، ومن هم الذين

يعملون معك لتحقيق هذه الأمنية. أقول: إني لا أريد أن أنقض هيكلا وأبنيه في

ثلاثة أيام، وكل عمل عظيم يستلزم صعوبة، وبيننا الآن كثير من رجال العلم لا

يعوزهم إلا مساعدات من رجال الصحف وسراة الأمة.

إذا قيل: إننا نخشى أن لا نجد في اللغة أسماء موافقة لبعض المسميات

الإفرنجية أقول: هذا مستحيل مع ما قدمنا من الطرق الثلاث، وإذا علمنا أن أبا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٩٣