بتونس نخبة من الأعيان الأهليين ومجتمعا لمزاولة العلوم وهو جامع الزيتونة، فإنه
وإن انحطت شهرته عما كان عليه في القديم، لم تزل به مادة الحياة قوية تؤذن
بقرب عود اخضراره، وهاته الحالة المساعدة أمكننا معها أن نخطو خطوة زائدة
سنة 1898 وهي تأسيس جمعية من شبان التونسيين المتعلمين تحت عنوان
الخلدونية؛ تذكارا للمؤرخ العربي ابن خلدون، وتكفلت هاته الجمعية بإدخال الفنون
الأوروبية بين طلبة الجامع الأعظم، وافتتحت دروسها بمسامرة نظامية، وقام أحد
مدرسي الجامع الأعظم ببيان أن لا نفرة بين الإسلام والعلوم العصرية.
وأخيرا وقع اقتداء بالجزائر (كذا) قبول بعض أفراد من الأهلين بمجلس
الشورى المعمرين، ولم يبق في الإمكان أن نرجع فيما منحناه للأهالي من حق التكلم
والمناضلة، ولا أن نسد أفواههم، وقد بادروا لاستعمال هاته الوسيلة بالانتقاد على
عدم الاهتمام بشؤونهم وهضم جانبهم المتجدد في كل حين الذي يحملنا على ارتكابه
العجب الأوروبي، فمع كوننا نحترم عوائدهم سياسة، فإننا لا يهمنا أن ندوس
حقوقهم بما لنا من عدم الاكتراث الذي طالما اتصف به الغالب المعتقد أفضليته
المطلقة على المغلوب.
فهذه التقارير التي ستقرأ عليكم، يتكون منها كراسة المطالب الإسلامية
التونسية، وأهم غرابتها كونها تؤذن بالمشاركة والتعاون بين العنصر الأوروبي
والعنصر الأهلي، وفيما أظن أن هاته أول مرة أبيح فيها لمسلم انتقاد آراء غيره
زيادة على إبداء رأيه في تقرير رسمي، على أن استعمال السيد محمد الأصرم لهاته
الحرية، هو في نفسه أقوى برهان لتأييد رغائب بني جنسه ودينه، ومن المستحيل
أن يأتي هذا الكاتب بأكثر مما أتى به من التلطف في التعبير مع صحة المعنى
واستقامة الدليل في عرضه التشكيات المقبولة. كأن حجابا يتمزق ليرينا من ورائه
باطن هيئة لا ترى منها إلا ظاهرها. أما قيمة النتائج التي يعرضها علينا، فإنها
دون ما فاجأنا به من بيان مقاصد الديانة الإسلامية الحقيقية. وبهاته المناسبة نبادر
لزيادة الحث على قراءة الفصل 19 والفصل 20 المتضمنين لما عليه الإسلام الآن،
بالايالة التونسية وما تأتيه الطرق الدينية فيها.
ولا يخفى أن الكاتب من المسلمين، وهو الذي أفادنا أن عربان العروش هم
من أردأ المسلمين من حيث العقائد، بخلاف سكان المدن فإنهم متخلقون بأخلاق
المسالمة، وإن الوسيلة الوحيدة للتغلب على هذا التعصب الأعمى هو الحث على
قراءة القرآن التي تركت الآن تقريبا، وعلى نشر المعارف والرجوع إلى أخلاق
الإسلام التي منها فعل الخير والتعاضد والتسامح، وهو الذي يؤكد لنا إقبال المسلمين
المستنيرين على العلوم الأوروبية، وهو الذي يرينا ما في الطرق الدينية والإفراط
في الميل إلى الدراويش من الأسباب المغايرة لوجهة الإسلام. وترى مما ذكره لنا
من قواعد بعض الطرق أن هناك شيئا يشبه قواعد الجزويت (عصبة دينية ديدنها
التحيل والاستئثار) وهو الانقياد الأعمى المعبر عنه باللاتينية عندهم (كن كجثة) .
فهذه الملاحظات حرية بالاعتبار في أسباب التقهقر العارضة للإسلام الذي جاء
معارضا للخوارق المسيحية، فأسقطوه في ما جاء معارضا له بإحداث ما يصفونه
بالتصوف الذي تولدت منه أنواع من الخوارق، ربما كانت أكثر خطرا من أمثالها
في المسيحية. فالإسلام أمر بالمساواة والتوجه للعمل، وعدل التمتع بنعيم الدنيا،
فطرأ على هذه الأوامر ما اختلقته الطرق الدينية من التوكل الأعمى الباعث على
عدم التبصر في العواقب ومن الفقر (الزهد) والطاعة العمياء والجمود، وهي كلها
مهيئة لمناهج كل استبداد. وتنزه الإسلام عن الموان (فرقة من الرهبان) فجاءت
الأوهام البربرية وأحيته في الدراويش، ونعني بالموان هنا التوارث الذي يتعاطى
شيئا من أنواع السحر، والمرفوع عنه التكليف (كذا) وعليه إن كان المسلمون في