تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجواب: إن مسألة مثل هذه لا يمكن تفصيلها في هاته الأوراق. لكن لنا أن

نقتصر على مجرد نتيجة فلسفية، وهي أن نقول: إن مدنيتنا المسيحية الأصل، قد

فتحت مجالا متسعا للنمو المادي، وإن نهضتنا في القرن السادس عشر قد منحتنا

جسارة في الفكر واختبارا في الفحص العلمي ربما لم يعرفها المسلمون، وإن الذي

يهم في هذا المقام على كل حال هو اعتبار الحيثيات عند إرادة الحكم في هذا

الموضوع؛ لأن تقهقر المسلمين المشاهد: إما أن ينسب إلى نفس الأصول الدينية،

فيكون الإسلام محكوما عليه بالاقتصار على الحياة المادية، وإما أن ينسب إلى

أسباب خارجية عارضة، فيكون قابلا للنهضة والرجوع إلى ما كان عليه. لكن

هناك من السذج والأغرار من يقضي عليه قضاء مطلقا بدون مراعاة الحيثيات

المشار إليها، ولعمري إنه يصعب عليهم بيان كيف أمكن لهذا الدين القاصر على

زعمهم إنتاج ثمار عجيبة في الزمن الماضي، وهم أناس لا يحسنون معرفة التاريخ

ويقتصرون في حكمهم على ما تشاهده أبصارهم.

قد انتشر هذا الفكر بفرنسا مدة المسألة الجزائرية من حيث علاقتنا مع الإسلام

ويوجد إلى الآن هناك كثير من الفرنسيين بقوا عليه. لكن وجدنا بمصر ثم بتونس

مسلمين من نوع آخر، ولذا لم يكن من الممكن ولا المقنع الاقتصار على حكم

استبدادي بسيط، ووجب الرجوع إلى الشواهد التاريخية، وقد يجب الاعتراف

حينئذ بأن طباع المسلمين عامة اعتراها تغيير من القرن الثالث عشر إلى القرن

الخامس عشر، وذلك تحت سلطة الأتراك بالمشرق وسلطة البرابرة بالمغرب، ففي

أسبانيا انقطعت العلائق بين المسلمين والمسيحيين بعد سقوط غرناطة دفعة واحدة،

والتعصب من الجهتين هو الذي حملهم على ذلك. وأما من جهة الآستانة فالعلائق

السياسية قد استمرت، ولكن العلمية سقطت في العدم، فالبرابرة بالمغرب والأتراك

بالمشرق سارا كأنهما جرمان ثخينان بطرفي السلك منعا سيلان الكهرباء فيه.

والحقيقة أنه من تاريخ عدم التفاهم بين المسلمين والمسيحيين، قد اختارت كل

فرقة من أساليب دينها ما يلائم إحساسها، فعقيدة القضاء والقدر ليست هي أساس

الأعمال في الإسلام؛ بدليل أن القرآن لا يرى مانعا من تقدم الأمم بتعاطي أسباب

التقدم. لكن عقيدة القدر تسري بالعرض والتبعية إلى فكر المسلم الساذج؛ بمعنى أن

تصرف الخالق في المخلوق يكون مباشرة (أي بلا سعي ولا سبب) ولذا ترى

المرابطين علماء اللاهوت من البرابرة يبالغون منذ ظهروا في التمسك ببعض

النصوص الدينية مع خلوها عن الفائدة، ويخطبون في الناس كبعض أهل المذاهب

المسيحية؛ مقاومين لكل تمدن، وأعانهم على ذلك عربان الخيام بأفريقية، وتمموا

هذا المشروع المنتج للصلابة واليبس، مع كونه انتزع من الدين لينه ومساعدته

على اكتساب التمدن وقصره على حركات بدنية، لكن الفرق المستنيرة التي يحاكي

ليان أفكارها ليان البحر المتوسط، انسحبت مع أمواجه وتجمعت ببلدان السواحل؛

لتقتحم تعب المدافعة ومصادمة البربرية. ففي الجزائر سابقا، وفي مراكش الآن

عروش الخيام يعني الذين ولد فيهم الجهل شدة التعصب الديني هم الذين وجدناهم

عرضة لنا. ويجب أن نتفاهم في معنى التعصب هنا، وهو أن هاته العروش إنما

يتعصبون للاستقلال والهمجية، فالدين عندهم هو الراية التي يتخذونها وسيلة لتغطية

بغضهم للأجنبي، فالرحالون لم يكن أوائلهم مسلمين، مع أنهم كانوا يبدون مثل هذه

الإحساسات بعينها نحو الفاتح الروماني، وكان الأمر يشتبه علينا في الزمن السابق،

فيظهر لنا أن الأخذ بثأرنا من هذه العروش أمر طبيعيي، وأن ذلك يكون باغتصاب

أملاك المساجد والجوامع مطلقا، حتى أرشدتنا التجربة فيما بعد إلى حقائق الأمور،

فعاملنا التونسيين بمزيد الاعتبار، فاحترمنا دولتهم وعوائدهم وشرائعهم وعدليتهم

وجوامعهم وأملاكهم. وفي الحقيقة، إن ما وجدناه بتونس لم نجده بالجزائر: وجدنا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٣٥