الفلسفة الإسكندرية؛ ولما بعدت حقيقة المسيح الكنيسية شيئا فشيئا عن البشرية،
وفشا اعتقاد تعظيم القديسين، حتى انحدر بالناس إلى عبادة بعض الأشياء من
الكائنات، جاء الإسلام بإرجاع المسيح - على تكريمه إياه - إلى نسبته البشرية
وبإنكار القديسين، ولما أضعفت أديار الرهبنات الدولة والعسكرية جاء الإسلام
بإبطالها، ولما كانت الغاية المسيحية إضعاف العائلات بإيثار العزبة على التزوج،
جاء الإسلام بكراهة تعمد قطع النسل وبالحث على التناسل بإباحة تعدد الزوجات،
ولما كانت الهيئة المدنية المسيحية منقسمة إلى مراتب وراثية متشعبة، وكانت الرتبة
الأولى فيها للقسيسين، جاء الإسلام بإبطال سلطة القسيسين وإزالة حق
الوراثة في المراتب والاستعاضة عنها بالاستحقاق الذاتي (لا فضل لعربي على
عجي إنما الفضل بالعلم والتقوى) كما أنه أزال الواسطة بين الخالق والمخلوق وبين
الرئيس والمرؤوس، ولما كان الملوك هم المحافظين على أصول الدين، واستحوذوا
بذلك على التصرف بالعقائد والمعتقدين من رعاياهم - جاء الإسلام بالتسامح والحرية
في الدين على شرط قبول الداخلين تحت سيطرته من غير المسلمين بأداء
الجزية، وهو أداء خفيف جدا. ولما كانت الصدقة الإنجيلية قد ضغطت تقريبا تحت
استئثار أصحاب الرتبة المفضلة من الهيئة، جاء الإسلام بالحث على المعادلة
والتعاضد إلى حد لا نهاية بعده. وبالجملة إن الديانة المسيحية لم يكن تأسيسها إلا على
الخوارق، فالإسلام قد عدل عنها تقريبا، وجعل نبيه بشرا كسائر البشر. هكذا كانت
طباع الإسلام الأولى وإن اعترى فروعه تغيير بسبب ما اعترى المسلمين من
الأوهام، فأصوله لم تزل ثابتة إلى الآن.
وقد تجلى الإسلام ميسرا ومستكملا للإنسانية ومنزها عن الغموض ببساطة
الوحدانية المعقولة، وبذلك تباعد عن قضايا المعارضة بأنواعها، ولم يصد نموه ستة
قرون مضت في المجادلات الدينية، وأربعة مثلها مضت على الإدارة الرومانية [1]
ولم يكف ذلك حصنا للمسيحية بل حصل هذا الدين الجديد على كنز ثمين بسرعة
عجيبة [2] وهو رغم ما سطرته كتبنا متسمر الدوام , وإذا تمحض للترفع بتنزهه عما
ذكر من الأدران، أمكنه تقديم متبعيه على متبعي المسيحية نحو ثلاثة أو أربعة
قرون، فإن معالم بغداد وقرطبة العلمية كانت منابع للأنوار الساطعة عندما كانت
معالمنا المسيحية منحنية على الجهل المطبق، فكل العلوم وكل الصنائع وكل الفنون
كانت تأتي من الشرق، وجمهوريات البحر المتوسط كانت تكتسب بسطتها من
علائقها مع مخالفيها في الدين.
وإن زهرة هذا التمدن النفيسة المحفوظة في أوانيها الجميلة الأنيقة كقصر
إشبيلية وحمراء غرناطة لم تزل تخجل أشراف المسيحيين حتى اضمحلال العربية
بحيث أن مدة الإسلام المثمرة دامت نحو ثمانية قرون نهايتها سقوط غرناطة،
وكانت بعد ذلك فتوحات العثمانيين الذين تراهم على عدم التفاتهم لانفتاح الزهرة
الفكرية، قد أثبتوا للإسلام مدة قرنين أو ثلاثة عظمة سياسية وعسكرية.
وعليه فإن الديانة الإسلامية حافظت مدة ألف سنة على قوة انتشارها ونظامها
ولذا يصح أن نقول بحسب المدة على الأقل: إن وظيفتها تعادل وظيفتي اليونان
والرومان معا.
هذا وبعد وقوف الشجرة الإسلامية عن النمو والإثمار، لم تزل عروقها آخذة
في الامتداد الخفي، وتنشق أرضها عن أخلاف غليظة في أماكن السودانيين، كما
إن أخلافها في آسيا تحمل مع الراحلة مادة التلقيح الهندي والماليزي والصيني [3] .
فهاته الحقائق هي التي ينبغي استحضارها في الذهن عند إرادة التكلم عن
الإسلام باستخفاف! !
فإن قيل: كيف طرأ السكون على أهل عقيدة شريفة معقولة مثل عقيدة الإسلام؟
ولماذا وقفت في أفريقيا وآسيا الصغرى عن الإثمار الآن بعدما أثمرت سابقا في
الفرس وأسبانيا، ثم لأي سبب كان هذا التقدم الأوروبي الحالي المترقي عما سواه؟