تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأخرى، فشاعت الكتابة بين الصحابة وأبناء الصحابة، وبها ضبط الوحي وحفظ

القرآن، فكانت كلما نزلت آية كتبها الكاتبون في الحال، ومن هؤلاء الكتاب عثمان

ابن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي

سفيان وخالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد والعلاء الحضرمي وحنظلة بن

الربيع وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وعبد الله بن الأرقم الزهري، وهؤلاء

كتاب الوحي والرسائل، كتبوا للنبي عليه السلام، وأما من عداهم من كتاب

الصحابة فكثيرون منهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل

وغيرهم. ومن أبناء الصحابة عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص

(وهو صحابي) وعبد الله بن الحارث بن هشام وغيرهم.

إذا علمتم مما تقدم أن الكتابة كانت شائعة على عهد النبي عليه السلام بين

المهاجرين والأنصار، وأن أول ما كتب بها هو القرآن الكريم، وكانوا يكتبونه على

الرقاع والأضلاع وسعف النخل والحجارة الرقاق البيض، ثم جمعه أبو بكر رضي

الله عنه ودونه في الصحف على ما هو معروف مشهور.

أما الحديث وفيه تاريخ الصدر الأول، وهو الذي عليه مدار بحثنا الآن، فإنه

كان يكتب كذلك على عهد النبي عليه السلام على نحو ما كانوا يكتبون عليه القرآن

وقد رخص لهم النبي بكتابته كما أمرهم بكتابة العلم مطلقا.

فقد أخرج ابن عبد البر في جامع بيان العلم بسنده عن أنس بن مالك قال: قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم (قيدوا العلم بالكتاب) وروى بسنده عن عمرو بن

شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، أكتب كل ما أسمع منك؟ قال:

نعم قلت: في الرضا والغضب؟ قال نعم، فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا.

وروى بسنده عن أبي هريرة قال: لما فتحت مكة، قام رسول الله صلى الله

عليه وسلم فخطب فقام رجل من اليمن يقال له: أبو شاة، فقال: يار سول الله اكتبوا

لي. فقال رسول الله: (اكتبوا لأبي شاة) يعني الخطبة وروى ابن عبد البر أن

رسول الله كتب كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم وغيره،

وأخرج عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: لم يكن أحد من أصحاب محمد

أكثر مني حديثا إلا عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كتب ولم أكتب. وروي عن

عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله أريد حفظه،

فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله يتكلم في الرضا

والغضب؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بأصبعه إلى فيه،

وقال: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) .

وأخرج الذهبي في تذكرة الحفاظ أن أبا بكر كتب أكثر من أربعمائة حديث،

وفي تنوير الحوالك على موطأ مالك وغيره من كتب الحديث: أن عمر حاول مرارا

أن يكتب السنن ثم عدل؛ خوفا من انكباب الناس على كتب السنن مع وجود كتاب

الله.

وأخرج ابن عبد البر عن سعيد بن جبير أنه كان يكون مع ابن عباس، فيسمع

منه الحديث فيكتبه في واسطة الرحل، فإذا نزل نسخه، وأخرج عن معن قال:

أخرج إلي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود كتابا وحلف أنه بخط أبيه بيده.

هذه الأخبار الصحيحة وما ماثلها تدلنا على أن الحديث كتب إن لم يكن كله

فجله على عهد الرسول وأصحابه الكرام، والحديث يشتمل أكثر تاريخ الخلفاء كما

تعلمون، وكتب فن النحو الذي أملاه علي بن أبي طالب على أبي الأسود الدؤلي.

وكتب عبد الله بن عمرو بن العاص كتابا في الأحداث وكتابا فيما قضى به رسول

الله صلى الله عليه وسلم، سمعهما منه شفي بن مانع الأصبحي. فقد نقل المقريزي

من رواية أبي سعيد بن يونس صاحب تاريخ مصر عن حياة بن شريح قال: دخلت

على الحسين بن شفي بن مانع وهو يقول: فعل الله بفلان. فقلت: ما له؟ فقال:

عمد إلى كتابين، كان شفي (يعني أباه) سمعهما من عبد الله بن عمرو بن العاص

ثم ذكر الكتابين، قال: فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرباب مركبين كبيرين من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣١٨