تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى أتى على آخرها. فأقبل عليه نافع بن الأزرق، فقال: الله يا ابن عباس

إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقصى البلاد؛ نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل

ويأتيك مترف من مترفي قريش فينشدك:

رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيخزى وإما بالعشي فيخسر

فقال له ابن عباس: ما هكذا قال، وإنما قال:

رأت رجلا إما الشمس عارضت ... فيضحي وإما بالعشي فيخصر

فقال: ما أراك إلا قد كنت قد حفظت البيت. قال: أجل، وإن شئت أنشدك

القصيدة كلها. قال: فإني أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها.

فانظروا إلى هذا الذكاء العظيم الذي اختص به أولئك القوم، حتى لقد بلغ من

ثقتهم بقوة الحفظ والرواية أن كانوا لا يثقون بخبر مكتوب إلا إذا كان معززا

بالسند والرواية، ولما أخذ العلماء بتدوين الأخبار النبوية وأخبار الصحابة ثم تاريخ

الخلفاء، دونوا هذه الأخبار مدعومة بالرواية، ولم يكتفوا بقيدها في الصحف مجردة

عن الأسانيد؛ خوف دخول التحريف عليها واطمئنانا للرواية المعروفة السند

المستوفية لشروط الصحة على الترتيب المعروف عند المحدثين إلى الآن.

وفي اعتقادي أن الذي ذهب بالباحثين إلى الظن بعدم تدوين الأخبار إلا بعد

القرن الثاني هو تقيد المؤلفين في ذلك العصر بنقل الأخبار بالرواية، مع فقد ما دون

قبل ذلك لفقده لحسن التنسيق والجمع وشروط الصحة عند المؤلفين لا سيما من

جهة الترتيب والتخصيص الذي يروق أهل العصر الثاني، ويناسب حالة الرقي في

الحضارة كما سنتكلم عليه بعد.

هذا بيان الوجه الأول. وأما الوجه الثاني وهو ثبوت التدوين وكتابة الأخبار

في الإسلام في أوائل القرن الأول، فالأدلة عليه كثيرة وتشتتها في ثنايا الكتب

وتفاريق السطور لا يمنعنا أن نجتزئ منها بالقليل المقنع الذي وسعنا جمعه.

ولأقدم بين يدي ذلك مقدمة قصيرة فأقول:

إذا قيل: إن العرب أمة أمية، فليس هذا القول على إطلاقه بل ربما أطلق هذا

الوصف على عرب البادية إطلاقا أعم من إطلاقه على غيرهم من سكان المدن

وأرباب الدول البائدة؛ كسكان اليمن ومدن نجد والحجاز والعراق والجزيرة

وأطراف الشام الذين عرفت لهم دول ذات حضارة ومجد كالتبابعة في اليمن،

والمناذرة في العراق، والحوارث في أطراف الشام الذين منهم ملوك تدمر في شرقي

سوريا الذين تنسب إليهم الزباء (زنوبيا) وزوجها أذينة (أوذينوس) ومنهم ملوك

غسان في جنوب سوريا وتاريخهم مشهور معروف.

فهؤلاء الشعوب لا يجوز أن يطلق عليهم وصف الأمية بالنسبة لحالة كل

عصر كانوا فيه، وإنما غموض تاريخهم وطموس آثارهم أضاف تاريخهم إلى

التاريخ القديم، فكان مجهول الحقيقة إلا قليلا مما وقف عليه الباحثون من الآثار

الكتابية للحميريين في اليمن، والكتابات النبطية في شمال الحجاز، وسيكشف

دأبهم على البحث وتتبع الآثار أكثر من ذلك.

وحسبكم شاهدا على أن الأمية لا يجوز إطلاقها على كل العرب ما كان

موجودا من كتب أهل الحيرة إلى أوائل القرن الثالث الهجري؛ بدليل ما قاله هشام

ابن محمد بن السائب الكلبي في كتاب الأنساب، وهو أني كنت أستخرج أخبار

العرب وأنسابهم وأنساب آل نصر بن ربيعة، ومبالغ أعمار من ولي منه لآل كسرى

وتاريخ نسبهم من كتبهم بالحيرة.

أما عرب الحجاز، فالمعروف عن الكتابة عند سكان المدن منهم قبيل البعثة

أنها كانت موجودة ولو مع الندرة، يدلك عليه كتابة المعلقات السبع التي كانت على

الكعبة، والصحيفة التي تعاقدت فيها قريش على رد الحقوق وإنصاف المظلوم

وعلقوها على الكعبة، والمعروف أنهم كانوا يكتبون العربية تارة بالخط النبطي

وتارة بالخط الحيري الذي عرف بعد ذلك بالكوفي وتارة بالخط العبري، وممن

عرف منهم بكتابة هذا الخط ورقة بن نوفل ابن عم خديجة زوج النبي صلى الله عليه

وسلم.

ولما جاء الإسلام كان النبي عليه السلام يحض على تعلم الكتابة وتعلم اللغات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣١٧