تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سفن الجسر مما يلي الفسطاط.

وأما في عصر التابعين وتابعيهم، فقد كانت العناية بكتابة الأخبار أكثر،

وأقبل الناس على اقتناء الكتب وجمع المكتبات، ومن ذلك ما رواه ابن عبد البر عن

هشام بن عروة عن أبيه أنه احترقت كتبه يوم الحرة، وكان يقول: وددت لو أن

عندي كتبي بأهلي ومالي، وكانت وقعة الحرة في سنة ثلاث وستين في خلافة يزيد

ابن معاوية. وكان ابن شهاب الزهري من علماء المائة الأولى، ومولده في سنة

إحدى وخمسين ووفاته بعد المائة؛ إذا جلس في بيته وضع الكتب حوله فشغلته عن

كل شيء كما ذكر ذلك ابن خلكان والزهري. هذا هو الذي كتب السنة في دفاتر أو

كتب وزعت على الأمصار بأمر عمر بن عبد العزيز.

ولم يأت القرن الثاني من الهجرة حتى كثرت الكتب في فنون شتى خصوصا

فنون العربية والأدب، فكان منها مكتبات لبعض الأفراد ما أظنها توجد عند أحد منا

الآن، فقد ذكر ابن خلكان وغيره في ترجمة أبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة

المولود بين سنة خمس وستين وسبعين للهجرة، والمتوفى في منتصف القرن الثاني

أنه كان أعلم الناس بالقرآن والأدب والعربية والشعر، وكانت كتبه التي كتبت عن

العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تنسك فأخرجها

كلها، فلما رجع إلى علمه لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه.

هؤلاء الأشخاص أيها السادة هم الذين ظفرت بأسمائهم وكانوا ممن اقتنوا

الكتب من منتصف القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني، فما بالكم بما لم أظفر بهم

وبمن لم يأت ذكرهم في التاريخ؟ لا جرم أنهم كثيرون جدا وربما لم يخل منهم

مصر من الأمصار الإسلامية في ذلك العصر.

ما هي هذه الكتب وما هي كتب عروة التي احترقت سنة ثلاث وستين؟ أليست

في علوم شتى من العلوم التي دونها العرب واشتغلوا بها؟ وهل احترقت كتب عروة

في اليوم الذي دونت فيه؟ كلا بل كتبت هي وغيرها من الكتب في غضون القرن

الأول أو على مدى هذا القرن. فإذا كان ذلك كذلك فهل يبقى مجال للريب في أن

العرب دونوا علومهم في الصحف من ابتداء القرن الأول؟ وهل يستراب في صحة

هذه العلوم مع ما ثبت معنا من أنها كتبت مدعومة بالرواية لتكون أبعد من سهو الكاتبين وتحريف الناسخين.

لا جرم أن القوم الذين يوجد فيهم من ينصرف عن الملك إلى علوم الطب

والكيمياء التي ندر من (كان) يشتغل بها من الأمم الراقية في ذلك العصر ويؤلف

في هذين العلمين حريون بتدوين أخبارهم والعناية بآدابهم. فقد ذكر المؤرخون في

ترجمة خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى في سنة خمس وثمانين للهجرة أنه كان من

أعلم قريش بفنون العلم وله كلام في صنعة الكيمياء والطب، وكان بصيرا بهذين

العلمين متقنا لهما وله مسائل دالة على معرفته وبراعته، وأخذ الصنعة عن رجل من

الرهبان يقال له مريانس وله فيها ثلاث رسائل تضمنت إحداهن ما جرى له مع

مريانس المذكور وصورة تعلمه منه والرموز التي أشار إليها وله فيها أشعار كثيرة

مطولات ومقاطيع دالة على حسن تصرفه وسعة علمه، وكانوا يعيبونه على اشتغاله

بهذه العلوم وتركه حبل الملك والخلافة على الغارب حتى تمكن من سلبه منهم بنو

مروان.

ومن المؤلفين في ذلك العصر - أي العصر الأول - غير خالد بن يزيد، زيادة

ابن سمية الذي ألحقه معاوية في أولاد أبي سفيان فجعل الناس يطعنون عليه فألف

كتابا في علم الأنساب في مثالب العرب وطعن فيه في أنسابهم، فكفوا عنه كما ذكر

ذلك ابن النديم.

ومنهم زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي قال ابن النديم: مات سنة إحدى

وستين أو ستين وله من الكتب كتاب السنن وكتاب القراءات، وكتاب الزهد وكتاب

المناقب. ومنهم عبيد بن شرية الجرهمي وكان في زمن معاوية وأدرك النبي ووفد

على معاوية من اليمن فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وغير ذلك

من المسائل فأجابه عما سأل، وله من الكتب كتاب (الأمثال) وكتاب (الملوك) أخبار الماضين.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣١٩