تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القديم، ولما كانت مشتملة على النظام والأحكام، دلت على أن الواجب الذي

صدرت عنه قد أوجدها بعلم كامل وإرادة مستقلة، وأنه مختار في ذلك لا مجبور

ولا مكره. ولما كانت إرادته للأشياء عن علم محيط، وجب أن تكون أفعاله كلها

موافقة للحكمة البالغة والنظام التام والعدل العام، فلا يقع منه الظلم؛ لا لأن ما

نفهمه من معنى الظلم إن وقع منه تعالى لم يكن ظلما كما يقول الأشاعرة فإن هذا

غير صحيح كما بيناه في التفسير من هذا الجزء، ولا لأنه أزلي وإرادته أزلية كما

قال الدكتور صدقي؛ فإنه تعالى متصف بالكمال في الأزل وفيما لا يزال، والظلم

ينافي الكمال، وهذا الذي قررناه هو ما كان عليه السلف الصالح في مسألة

استحالة الظلم عليه تعالى. وما يظنه الجاهلون بالله وبسننه ظلما لمخالفته

لأهوائهم، يسهل على العارفين بالله أن يبينوا لهم أنه ليس بظلم.

وأما ما قاله في مسألة كون الإنسان مجبورا غير مختار في أفعاله، فله فيها

وجه فلسفي يقول به بعض فلاسفة الإفرنج الآن، وسبقهم إليه بعض أئمة المتكلمين

والحكماء من المسلمين، وللغزالي فيه أقوال من قبيل أقوال فلاسفة الإفرنج من

أوضحها وأبلغها ما كتبه في كتاب التوحيد والتوكل من الإحياء. وقد اشتبه على

أكثر علمائنا الفصل بين هذا النوع من الجبر وبين الجبر الذي يعترض به على

أصل التكليف، والفرق مثل الصبح ظاهر، فمدار التكليف على ما يعلمه الإنسان

من نفسه علما ضروريا؛ من أنه متمكن من فعل هذه التكاليف وتركها، وهذا

التمكن يسمى اختيارا، ويسميه الأشاعرة كسبا، ولا ينفيه كون الإنسان لا يعمل

عملا إلا بعد العلم بأن فعله خير له من تركه، وكون هذا العلم منه الضروري وغير

الضروري، وإن ما كان منه غير ضروري في مبدأه، يصير ضروريا بعد الجزم

به كما هو ظاهر، أو كون هذا العمل فعلا منعكسا بسرعة أو ببطء. وربما عدنا إلى

الإسهاب في ذلك يوما.

هذا هو اعتقاد أهل الحق في هذه المسألة وما قبلها، وأظن أن الدكتور

محمد توفيق أفندي صدقي لا يخالفه وإن أوهمت عبارته الخلاف لعدم وضوحها.

-----------------

<span class="footnote">

(1) للدكتور محمد توفيق أفندي صدقي الطبيب بسجن طره.

(2) هذا بقطع النظر عن نظريات علم الكيمياء واصطلاحاته فإنها لا تناقض هذه المسألة.

(3) هي كلمة يونانية ومعناها المكون الأول لأنها عنصر الحياة ومنها ركب كل حي.

(4) المسلمون يقولون: إن كليهما قديم كما بين برهان ذلك في المتن.

(*) (يونس: 19) .</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣١٥