لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة) ليس في هذا ما
يوجب إنكار علم الحساب المعرف بمسير الشمس والقمر واجتماعهما أو مقابلتهما
على وجه مخصوص وأما قوله (لكن الله إذا تجلى لشيء خضع له) فليس توجد
هذه الزيادة في الصحاح أصلا. فهذا حكمة الرياضيات وآفتها.
(وأما المنطقيات) فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا، بل هو النظر في
طرق الأدلة والمقاييس وشروط ومقدمات البرهان وكيفية تركيبها وشروط الحد
الصحيح وكيفية ترتيبها، وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد، وإما تصديق
وسبيل معرفته البرهان. وليس في هذا ما ينبغي أن ينكر بل هو من جنس ما ذكره
المتكلمون وأهل النظر في الأدلة، وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات وبزيادة
الاستقصاء في التعريفات والتشبيهات ومثل كلامهم في قولهم: إذا ثبت أن كل (1)
(ب) لزم أن بعض (ب) (1) أي إذا ثبت أن كل إنسان حيوان لزم أن بعض
الحيوان إنسان ويعبرون عن هذا بأن الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية، وأي تعلق
لها بمهمات الدين يجحد وينكر؟ فإذا أنكر لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا
سوء الاعتقاد في عقل المنكر بل في دينه الذي يزعم أنه موقوف على مثل هذا
الإنكار، نعم لهم نوع من الظلم في هذا العلم وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم
أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء
بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل.
وربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل
عنهم من الكفريات مؤيدة بمثل تلك البراهين فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم
الإلهية فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه.
(وأما علم الطبيعيات) فهو بحث عن أجسام العالم: السموات وكواكبها وما
تحتها من الأجسام المفردة كالماء والهواء والتراب والنار، ومن الأجسام المركب
كالحيوان والنبات والمعادن وعن أسباب تغيرها واستحالتها وأمزاجها. وذلك يضاهي
بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسة والخادمة وأسباب استحالة مزاجه،
وكما ليس من شرط الدين إنكار ذلك العلم إلا في مسائل معينة ذكرناها في كتاب
(تهافت الفلاسفة) وماعداها مما يجب المخالفة فيها فعند التأمل يتبين أنها مندرجة
تحتها وأصل جملتها أن يعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى لا تعمل بنفسها، بل هي
مستعملة من جهة فاطرها، والشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات بأمره لا فعل
لشيء منها بذاته عن ذاته.
(وأما الإلهيات) ففيها أكثر أغاليطهم. فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما
شرطوا في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه. ولقد قرب أرسطاطاليس مذهبه
فيها من مذاهب الإسلاميين على ما نقله الفارابي وابن سينا ولكن مجموع ما غلطوا
فيه يرجع إلى عشرين أصلا يجب تكفيرهم في ثلاثة منها وتبديعهم في سبعة عشر،
ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب التهافت. أما المسائل الثلاث
فقد خالفوا فيها كافة المسلمين، وذلك في قولهم أن الأجساد لا تحشر وإنما المثاب
والمعاقب هي الأرواح المجردة والعقوبات روحانية لا جسمانية، ولقد صدقوا في
إثبات الروحانية فإنها كائنة أيضا ولكن كذبوا فيها إنكار الجسمانية وكفروا بالشريعة
فيما نطقوا به. ومن ذلك قولهم أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات، فهو أيضا
كفر صريح بل الحق أنه (لا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى
الأرض) .
ومن ذلك قولهم بقدم العالم وأزليته، فلم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من
هذه المسائل.
وأما وراء ذلك من نفيهم الصفات وقولهم أنه عليم بالذات لا بعلم زائد على
الذات، وما يجري مجراه فمذهبهم فيها قريب من مذهب المعتزلة ولا يجب تكفير
المعتزلة بمثل ذلك، وقد ذكرنا في كتاب (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) ما