يتبين فيه فساد رأي من يتسارع إلى التكفير في كل ما يخالف مذهبه.
(وأما السياسيات) فمجموع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم والمصلحة المتعلقة
بالأمور الدنيوية السلطانية، وإنما أخذوها من كتب الله المنزلة على الأنبياء ومن الحكم
المأثورة عن سلف الأولياء.
(وأما الخلقية) فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها
وذكر أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما أخذوها من كلام الصوفية
وهم المتأملون المثابرون على ذكر الله تعالى وعلى مخالفة الهوى، وسلوك الطريق
إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا، وقد انكشف لهم في مجاهداتهم من أخلاق
النفس وعيوبها وآفات أعمالها ما صرحوا بها فأخذها الفلاسفة ومزجوها بكلامهم
توسلا بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم. ولقد كان في عصرهم - بل في كل عصر -
جماعة من المتألهين لا يخلي الله العالم عنهم، فإنهم أوتاد الأرض ببركتهم تنزل
الرحمة إلى أهل الأرض) اه المراد منه.
***
أقول: هذا آخر ما استقر عليه رأي الإمام أبي حامد في هذه العلوم لأن هذا
الكتاب من آخر ما كتب. ومنه يعلم أنه لا ينكر من علومهم شيئا يعد مخالفا للدين إلا
مسائل معدودة من الفلسفة الإلهية، وإنا نزيد المسألة بيانا بإيراد ما كتبه قبل ذلك في
مقدمة كتابه (تهافت الفلاسفة) قال:
(أما بعد فإني رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء
بمزيد الفطنة والذكاء، قد رفضوا طوائف الإسلام والعبادات واستحقروا شعائر الدين
ووظائف الصلوات والتوقي عن المحظورات، واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده
ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين، يفنون من الظنون
يتبعون فيها رهطا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون،
ولا مستند لكفرهم غير سماع الغي كتقليد النصارى واليهود؛ إذ جرى على غير دين
الإسلام نشؤهم وولادهم، وعليه درج آباؤهم وأجدادهم، ولا عن بحث نظري
صادر عن التعثر بأذيال الشبه الصارفة عن صوب الصواب، والانخداع
بالخيالات المزخرفة كلامع السراب، كما اتفق لطوائف من النظار في البحث عن
العقائد والآراء من أهل البدع الأهواء، وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسامي هائلة
كسقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطاطليس وأمثالهم، وإطناب طوائف متبعيهم
وضلالهم، في وصف عقولهم وحسن أصولهم، ودقة علومهم الهندسية والمنطقية
والطبيعية والإلهية، واستبدادهم بفرط الذكاء والفطنة، واستخراج تلك الأمور
الخفية، وحكايتهم عنهم أنهم مع رزانة عقولهم وغزارة فضلهم، منكرون للشرائع
والنحل، وجاحدون لتفاصيل الأديان والملل، ويعتقدون أنها نواميس مؤلفة وحيل
مزخرفة، فلما قرع ذلك سمعهم ووافق ما حكي لهم من عقائدهم طبعهم، تجملوا
باعتقاد الكفر تحيزا إلى غمار الفضلاء بزعمهم، وانخراطا في سلكهم، وترفعا عن
مساعدة الجماهير والدهماء، واستنكافا من القناعة بأديان الآباء، ظنا بأن إظهار
التكايس في النزوع عن تقليد الحق بالشروع في تقليد الباطل جمال، وغفلة منهم عن
أن الانتقال إلى تقليد عن تقليد خرق وخبال، فأية رتبة في عالم الله أخس من رتبة من
يتجمل بترك الحق المعتقد تقليدا، بالتسارع إلى قبول الباطل دون أن يقبله خبرا
وتحقيقا، والبله من العوام بمعزل عن فضيحة هذه المهواة، فليس في سجيتهم حب
التكايس بالتشبه بذوي الضلالات، والبلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء
والعمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء.
فلما رأيت هذا العرق من الحماقة نابضا على هؤلاء الأغبياء، ابتدأت بتحرير
هذا الكتاب ردا على الفلاسفة القدماء، مبينا تهافت عقيدتهم، وتناقض كلمتهم فيما
يتعلق بالإلهيات، وكاشفا عن غوائل مذهبهم وعوراته التي هي على التحقيق
مضاحك العقلاء، وعبرة عند الأذكياء، أعني ما اختصوا به عن الجماهير والدهماء