يخاف عليه أن يتجاوزهما إلى علوم مذمومة، فإن أكثر الممارسين لهما قد خرجوا
منهما إلى البدع، فيصان الضعيف عنه لا لعينه، كما يصان الصبي عن شاطئ النهر
خيفة عليه من الوقوع في النهر، وكما يصان الحديث العهد بالإسلام عن مخالطة
الكفار خوفا عليه، مع أن القوي لا يندب إلى مخالطتهم.
(والثاني) المنطق وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه، وهما داخلان في
علم الكلام.
(والثالث) الإلهيات وهو بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته، وهو
داخل في الكلام أيضا، والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم، بل انفردوا
بمذاهب بعضها كفر وبدعة، وكما أن الاعتزال ليس علما برأسه، بل أصحابه طائفة
من المتكلمين وأهل البحث والنظر، انفردوا بمذاهب باطلة فكذلك الفلاسفة.
(والرابع) الطبيعيات وبعضها مخالف للشرع والدين الحق، فهو جهل وليس
بعلم حتى يورد في أقسام العلوم، وبعضها بحث عن صفات الأجسام
وخواصها وكيفية استحالتها وتغيرها، وهو شبيه بنظر الأطباء، إلا أن الطبيب ينظر
في بدن الإنسان على الخصوص من حيث يمرض ويصح. وهم ينظرون في جميع
الأجسام من حيث تتغير وتتحرك. ولكن للطب فضل عليه وهو أنه محتاج إليه. أما
علومهم في الطبيعيات فلا حاجة إليها) اه.
وقد أوسع المجال لذلك في كتابه (المنقذ من الضلال) ، فقال:
فصل
في أقسام علومهم
اعلم أن علومهم بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه ستة أقسام: رياضية
ومنطقية وطبيعية وإلهية وسياسية وخلقية. أما الرياضية فتتعلق بعلم الحساب
والهندسة وعلم هيئة العالم، وليس يتعلق شيء منها بالأمور الدينية نفيا وإثباتا،
بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها، وقد تولدت منها
آفتان:
(الأولى) من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن
بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، ويحسب أن جميع علومهم في الوضوح ووثاقة
البرهان كهذا العلم، ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما
تناولته الألسن، فيكفر بالتقليد المحض ويقول: لو كان الدين حقا لما اختفى على
هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم، فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجحدهم، يستدل على
أن الحق هو الجحد والإنكار للدين، وكم رأيت ممن ضل عن الحق بهذا القدر ولا
مستند له سواه، وإذا قيل له: الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقا في
كل صناعة. فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقا في الطب، ولا أن
يكون الجاهل بالعقليات جاهلا بالنحو، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها البراعة
والسبق، وإن كان الحمق والجهل قد يلزمهم في غيرها، فكلام الأوائل في
الرياضيات برهاني وفي الإلهيات تخميني، لا يعرف ذلك إلا من جربه وخاض فيه.
فهذا إذا قرر على هذا اتخذ (كذا) بالتقليد، لم يقع منه موقع القبول، بل تحمله
غلبة الهوى وشهوة البطالة وحب التكايس، على أن يصر على تحسين الظن بهم في
العلوم كلها، فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم،
فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين لكن لما كانت من مبادئ علومهم يسري إليه شرههم
وشؤمهم، فقل من يخوض فيه إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى.
(الآفة الثانية) نشأت من صديق للإسلام جاهل ظن أن الدين ينبغي أن
ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم، فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر
قولهم في الكسوف والخسوف وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع، فلما قرع ذلك
سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع لم يشك في برهانه، لكن اعتقد أن الإسلام مبني
على الجهل وإنكار البرهان القاطع، فيزداد للفلسفة حبا وللإسلام بغضا، ولقد عظم
على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم، وليس في الشرع
تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية. وقوله
عليه السلام: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا