تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن مثله.

وفي أثناء مجلسه ذلك، يبتدرون المسائل، وتطير إلى الرقاع، فيجاوب

أسرع من طرفة عين، وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل،

والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا إله سواه.

ثم شاهدنا مجلسا له ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر بباب بدر

في ساحة قصور الخليفة، ومناظره مشرفة عليه، وهذا الموضع المذكور هو من

حرم الخليفة، وخص بالوصول إليه، والتكلم فيه؛ ليسمعه من تلك المناظر الخليفة

ووالدته، ومن حضر من الحرم.

ويفتح الباب للعامة، فيدخلون إلى ذلك الموضع، وقد بسط بالحصر. وجلوسه

بهذا الموضع كل (يوم) خميس، فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور، وقعدنا

إلى أن وصل هذا الحبر المتكلم، فصعد المنبر وأرخى طيلسانه عن رأسه؛

تواضعا لحرمة المكان، وقد تسطر القراء أمامه على كراسي موضوعة، فابتدروا

القراءة على الترتيب، وشوقوا ما شاؤوا، وأطربوا ما أرادوا، وبادرت العيون

بإرسال الدموع، فلما فرغوا من القراءة، وقد أحصينا لهم تسع آيات من سور

مختلفات، صدع بخطبته الزهراء الغراء، وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات،

ومشى الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب إلى أن أكملها، وكانت الآية {الله

الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس} (غافر: 61) فتمادى على هذا السين، وحسن أي تحسين، فكان يومه أعجب من

أمسه، ثم أخذ في الثناء على الخليفة والدعاء له ولوالدته , وكنى عنها بالستر

الأشرف، والجناب الأرأف. ثم سلك سبيله في الوعظ كل ذلك بديهة لا روية،

ويصل كلامه في ذلك بالآيات المقروءات على النسق مرة أخرى. فأرسلت وابلها

العيون، وأبدت النفوس سر شرفها المكنون، وتطارح الناس عليه بذنوبهم معترفين،

وبالتوبة معلنين، وطاشت الألباب والعقول، وكثر الوله والذهول، وصارت النفوس

لا تملك تحصيلا، ولا تميز معقولا، ولا تجد للصبر سبيلا.

ثم في أثناء مجلسه ينشد من النسيب مبرحة التشويق، بديعة الترقيق،

تشعل القلوب وجدا، ويعود موضوعها النسيبي زهدا، وكان آخر ما أنشده من ذلك

وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام، وأصابت المقاتل سهام ذلك الكلام.

أين فؤادي إذا به الوجد ... وأين قلبي فما صحا بعد

يا سعد زدني جوى بذكرهم ... بالله قل لي فديت يا سعد

ولم يزل يرددها والانفعال قد أثر فيه، والمدامع تكاد تمنع خروج الكلام من

فيه، إلى أن خاف الإفحام فابتدر القيام، ونزل عن المغير دهشا عجلا، وقد أطار

القلوب وجلا، وترك الناس على أحر من الجمر، يشيعونه بالمدامع الحمر، فمن

معلن بالانتحاب، ومن متعفر في التراب، فياله من مشهد ما أهول مرآه، وما أسعد

من رآه، نفعنا الله ببركته، وجعلنا ممن فاز بنصيب من رحمته، بمنه وفضله. ثم

ذكر أنه حضر له مجلسا ثالثا، وأثنى عليه، وفضله على كل من رأى في الحجاز

والعراق. وفضل وعاظ الشرق على وعاظ الغرب أهل بلاده (الأندلس) .

العبرة في هذه الإثارة

التاريخية من وجوه

أحدها: أن بغداد لما ضعفت مدنيتها، وتضاءلت العلوم والمعارف فيها، أعقب

ذلك أهلها فسادا في الأخلاق، وشرها في الارتزاق، وعجبا بما كان على عهد الآباء

واحتقارا للغرباء، وقد كانت في أيام حياتها العلمية تقدر كل أحد قدره حتى كان

يجيئها الغريب، فيكون رئيس العلماء فيها، فيذعنون له، ويعترفون بإمامته.

وهذه سيرة الغزالي حجة الإسلام، حجة على ذلك، فليعتبر بذلك دعاة

العصبة الجاهلية بمصر؛ ليعلموا أن هذه العصبة من علامات الموت، لا من

آيات الحياة، ولو كان عند أسلافنا شيء من هذه العصبة، لما أصابوا من العلم

والمدنية مما أصابوا.

ثانيها: أن الزمن الذي زار فيه بغداد ابن جبير، ووصفها فيه بالانحطاط

والتأخر عما كانت، حتى تمثل فيها بقول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار،

هو الزمن الذي كان فيه من بقايا العلماء فيها مثل؛ رضي الدين القزويني وابن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢١٩