تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجوزي فمن لنا الآن بمثلها، وقد مر بك التنويه بشيء من فضلهما.

ثالثها: أن أكابر العلماء وأئمتهم، كانوا لا يزالون يعقدون مجلس الوعظ للعامة

وقد صار كبار علمائنا في أكثر البلاد يستنكفون عن الوعظ، ويعدونه مزريا بهم،

حتى عم الفساد، وعز تلافيه. وقد بذل الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى - جهده في

إحياء هذه السنة الحسنة سنة الوعظ، والتذكير بترغب العلماء فيها بالقول، وبما

سعى من ترتيب المرتبات لها من الأوقاف. ولكن لا تكاد تجد في العلماء من له قلب

يبعثه إلى العمل، وإنا لنعلم أنه يشعرون من أنفسهم بالعجز عن الوعظ النافع،

ولو وجد الباعث النفسي، لأتقن ذلك كثيرون.

رابعها: أن وعاظ ذلك العصر، كانوا يعظون الناس بالكلام الفصيح، المشتمل

على الإشارات إلى الآيات والأحاديث ووقائع التاريخ، (وسننشر في المنار نموذجا

من وعظ ابن الجوزي) ، وكان العوام يفهمون كلامهم ويتعظون به، وقد سمعت

خبر كثرة التائبين في مجالس الوعظ. أما الآن فقد جهلت اللغة، حتى إنك لتجد

أكثر المتعلمين، لا يفهمون الكلام البليغ والأساليب العالية حق الفهم، فما بالك

بالأميين.

فوا لهفي على تلك القلوب الرقيقة، والفطر السليمة، والسير القويمة، على أن

ضعف الفاعل، قد صار أشد من ضعف القابل، فالعوام لا يزالون يفهمون بالإجمال

من الواعظ الحسن الذي يتحرى السهولة، ويراعي درجة استعدادهم ما يتعظون به

ويتذكرون.

ولكن لا نكاد نجد هذا الواعظ في الخاصة، لا لسبب؛ إلا عدم الاهتمام

بأمر العامة وغيرتهم على الدين. وقد جربنا وعظ العامة وتذكيرها، فرأينا من

الاستعداد ما تجزم معه؛ بأن إحياء سنة الوعظ، تحبي الدنيا، وتصلح الأخلاق في

زمن قليل.

خامسها: أن الخليفة ونساءه، كانوا في ذلك العصر يعنون بسماع الوعظ الذي

يلقى على العامة، مع شدة ما أحدثوا من التحجب الذي كان من أسباب زوال سلطتهم

واختلال أمر الأمة بكثرة السلاطين المستبدين، فأين ذلك من ملوكنا وأمرائنا اليوم

وسلطان المغرب الأقصى يعتقد كما يعتقد الجمهور من خاصته: أنه إذا قرئ

تفسير القرآن يموت السلطان، أفيرجى بقاء مملكة، يعتقد خواصها هذه الخرافة،

وما هي إلا واحدة من ألوف خرافاتهم.

وأما الأمراء المتفرنجون، فلهم أعمال من دون ذلك، هم لها عاملون،

وبها مشغولون، فماذا تقول في نساء الملوك والأمراء وعدم سماعهم شيئا من

أمر الدين؟

وقد يقول قارئ تلك الإثارة: إن ابن جبير ذكر من فساد أخلاق أهل بغداد ما

ذكر، ثم ما عتم أن ذكر؛ أن الذين يتوبون منهم في كل مجلس وعظ كثيرون، فقد

ناقض نفسه. ونجيب عن ذلك؛ بأن الذين كانوا يسمعون الوعظ، لم يكونوا كلهم

من أهل بغداد نفسها، بل كان فيهم كثيرون من الضواحي والقرى القريبة، بل

كانت الرواحل تشد إلى أمثال هؤلاء الوعاظ من الأماكن البعيدة، كما يعلم من التاريخ

على أن كثرة التائبين والصالحين في بلد عظيم كبغداد، لا ينافي كون العصاة فيها

أكثر، أو كون المعاصي فاشية فيها.

-----------------

<span class="footnote">

(1) كذا في الأصل وفي نسخة الأخرى (منها) ، ولعل الأصل (فيها مسائل أو أسئلة) فسقط لفظ مسائل من الناسخ.

(2) كان التائب في ذلك العصر يجز ناصيته وأما حز المفصل الذي بعده فهو مجاز.

(3) العبارة غير مفهومة، ولعل فيها تحريفا أو تصحيفا، ولا يبعد أن يكون أصل (تطريف) تطريق بالقاف، وأن يكون استعملها بمعنى الإطراق، والجخندي بضم الجيم وفتح الخاء.

(4) يريد بهذا التقييد كتاب الرحلة.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٢٠