فكان مجلسه مجلس علم ووعظ، وقورا هينا لينا، ظهرت فيه البركة والسكينة
ولم تقصر عن إرسال عبرتها فيه النفس المستكينة، ولا سيما آخر مجلسه، فإنه
سرت حميا وعظه إلى النفوس , حتى أطارتها خشوعا، وفجرتها دموعا، وبادر
التائبون إليه سقوطا على يده ووقوعا، فكم من ناصية جز [2] وكم مفصل من
مفاصل التائبين طبق بالموعظة وحز، فبمثل مقام هذا الشيخ المبارك ترحم العصاة
وتتغمد الجناة، وتستدام العصمة والنجاة، والله تعالى يجازي كل ذي مقام عن
مقامه، ويتغمد ببركة العلماء الأولياء عباده العاصين من سخطه وانتقامه، برحمته
وكرمه إنه المنعم الكريم، لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه.
وشهدنا له مجلسا ثانيا إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني عشر من
الشهر المذكور، وحضر مجلسه ذلك اليوم سيد العلماء الخراسانية، ورئيس الأئمة
الشافعية، ودخل المدرسة النظامية بهز عظيم، وتطريف آماق [3] تشوقت له
النفوس، فأخذ الإمام المتقدم الذكر في وعظه مسرورا بحضوره ومتجملا به، فأتى
بأفانين من العلم على حسب مجلسه المتقدم الذكر. ورئيس العلماء المذكور هو صدر
الدين الخجندي المتقدم الذكر في هذا التقييد [4] ، المشتهر المآثر والمكارم، المقدم
بين الأكابر والأعاظم.
ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد جمال
الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي، بإزاء داره على الشط بالجانب الشرقي، وفي
آخره على اتصال من قصور الخليفة، وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب
الشرقي، وهو يجلس به كل يوم سبت، فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولا
زيد، وفي جوف الفرا كل الصيد آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية
والمخصوص في العلوم بالرتب العلية إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة
والمشهور له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة، مالك أزمة الكلام في النظم
والنثر، والغائص في بحر فك نفائس الدر. فأما نظمه فرضي الطباع، مهياري
الانطباع. وأما نثره فيصدع بسحر البيان، ويعطل المثل بقس وسحبان.
ومن أكبر آياته، وأكبر معجزاته، أنه يصعد المنبر، ويبتدئ القراء بالقراءة
وعددهم نيف على العشرين قارئا، فينتزع الاثنان والثلاثة آية من القرآن يتلونها على
نسق بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا
يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة، وقد أتوا بآيات
مشتبهات، لا يكاد المتقد الخاطر يحصيها عددا، أو يسميها نسقا. فإذا فرغوا أخذ
هذا الإمام الغريب الشأن في إيراد خطبته عجلا مبتدرا، وأفرغ في أصداف
الأسماع من ألفاظه دررا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فقرا،
وأتى بها على نسق القراءة لا مقدما ولا مؤخرا، ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية
منها. فلو أن أبدع من في مجلسه، تكلف تسمية ما قرأ القراء به آية آية على
الترتيب، لعجز عن ذلك، فكيف بمن ينتظمها مرتجلا، ويورد الخطبة الغراء
بها عجلا، ﴿أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون﴾ (الطور: 15) {إن هذا لهو
الفضل المبين} (النمل: 16) . فحدث ولا حرج عن البحر، وهيهات، ليس
الخبر عنه كالخبر.
ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ، وآيات بينات من
الذكر طارت لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الأنفس احتراقا , إلى أن علا الضجيج
وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش
على المصباح، كل يلقي ناصيته بيده، فيجزها، ويمسح على رأسه داعيا له منهم
من يغشى عليه، فيرفع في الأذرع إليه، فشاهدنا هولا يملأ النفوس إنابة وندامة،
ويذكرها هول يوم القيامة، فلو لم نركب ثبج البحر، ونعتسف مفازات القفر، إلا
لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل، لكانت الصفقة الرابحة , والوجهة المفلحة
الناجحة، والحمد لله على أن من بلقاء من تشهد الجمادات بفضله، ويضيق الوجود