الانتقاد الثاني
لم يستطع فريد أفندي أن يكابر فيما انتقدناه على ما زعمه من تدوين
الشريعة عند اتساع العمران، وكمالها في عهد الشورى، وانحطاطها عندما صارت
الحكومة الإسلامية استبدادية. فزعم أن ما قلناه لا يفهم من كلامه. ولعله لا يفهم هو
من كلامه وكلام الناس ما يفهم الناس، كما تعلم مما يأتي.
الانتقاد الثالث
زعم فريد أفندي أنه لما جاء القرن الثالث استحال أمر المتشرعين
الإسلاميين إلى حفظة أقوال المتقدمين، وبطل الاجتهاد لعدم نبوغ العلماء الضليعين
إلخ ما عرفه القراء.
فرددنا عليه بقولنا: إن علماء القرن الثالث لم يكونوا كما ذكر، ولا القرن
الرابع، ولا القرن الخامس فالفقه ما اتسع نطاقه إلا في هذه القرون، أي: الثالث
والرابع والخامس. فنقل عنا هذه العبارة بنصها في آخر مقالته الثانية، ورد
عليها بقوله:
(نقول: هكذا فهم الشيخ رشيد رضا تاريخ الفقه الإسلامي، فهو يرى الفقه
في القرون الخمسة الأولى، أيام نبوغ الأئمة المجتهدين، والمشرعين الأولين،
والمؤلفين السابقين الذين ملؤوا مكتبات الدنيا فقها وتشريعا، لم يبلغوا درجة الفقهاء
في هذه القرون التي قد يمر القرن، ولا يظهر فيه مؤلف ... إلخ) .
إن هذا لهو جوابه بحروفه ونقطه، فهل يفهم هذا الرجل اللغة العربية؟ كيف
يفهمها وهو ينقل عني إنكاري عليه، زعمه أن الفقه قد انحط في القرن الثالث،
وتعليمي إياه أنه ما اتسع نطاقه إلا فيه، وفي القرنين الرابع والخامس.
ويقول بعد ذلك من غير فصل: إنني أقول: إن علماء القرون الخمسة لم
يبلغوا درجة الفقهاء في هذا العصر! ! إن كان يفهم اللغة العربية فلا شك أنه ما
أوقعه في هذه الهوة إلا التهيج العصبي الذي غلب عليه. ولكن ما بال أصحاب
جريدة اللواء، لم يحذفوا له هذه العبارة الفاضحة؟ لعلهم لم يفهموها، وإلا فهم غير
ناصحين له.
الانتقاد الرابع
انتقدنا عليه أنه وعد ببيان بضع مسائل في ذلك الدرس ولم يبينها. فأجاب بما
حاصله؛ أنه يريد بالدرس جنس الدرس، لا هذا الدرس الأول. وله في هذا
الجواب وجه، وكان خطر ذلك ببالي عند الانتقاد. لكن العبارة والقرينة وما اعتاده
من الوعود وعدم الوفاء، كل ذلك رجح عندي أنه يعني بالدرس ذلك الدرس الأول
والخطب سهل، وقد كثرت الدروس بعد الأول. فهل بين تلك المسائل، ووفى
بتلك الوعود؟ ؟
الانتقاد الخامس
انتقدت عليه تعريفه العدل: بأنه ما أدى إليه العقل من الأحكام؛ لأن هذه
الأحكام منها العادل ومنها الجائر، فنقل عني ذلك، وقال في الجواب عنه: (وإني
بريء مما نسبه إلي الشيخ رشيد، فقد قلت بالحرف الواحد ... ) . ونقل عبارته في
تحكيم الحكومة للعقل عند الحاجة إليه، ونتيجتها قوله: فحكمت الحكومة (العقل) ،
وما أداها إليه هذا العقل من الأحكام سمته (عدلا) . فالعدل إذن مظهر من مظاهر
العقل. اه.
ومنه يعلم القارئ أن فريد أفندي لم يفهم ما كتبت، ولا ما كتب هو، فإنه لا
معنى لعبارته إلا ما قلت. وبيانه أن قوله: (ما أداها إليه العقل) مبتدأ، وقوله:
(من الأحكام) بيان ل (ما) ، وقوله (سمته عدلا) خبر المبتدأ، فصار
المعنى والأحكام التي أداها إليها العقل هي التي سمتها عدلا. فثبت أنه جعل الأحكام
التي استنبطها العقل عين العدل. فإذا كان لا يعرف النحو، فليراجع كنز العلوم واللغة
لعله يجد هذا الحل صحيحا.
الانتقاد السادس وما يتبعه
انتقدت عليه ما تقوله على علماء المسلمين من أنهم يقولون: إن أصول
الشرائع كلها من الله، وأنكرت عليه ما قاله في الجواب من تفسير الوحي إلى آخر
ما عرفه القراء، فأجاب عن ذلك بكلام يتلخص في أجوبة:
(أولها) أن الخاص والعام يعلمون أنه أسس هذه المدرسة؛ لتمرين حملة الدين
على الدفاع عن حوزة الإسلام.
(وثانيها) أن غرضه تأييد الدين.
(وثالثها) انه وقف جزء كبيرا من أوقاته على المدرسة.