(ورابعها) أن الشيخ رشيدا آلمه وجود هذه المدرسة، حتى أخرجه الألم عن
حده.
(وخامسها) أن الشيخ رشيدا يوهم الناس أنه عالم بفلسفة التشريع، وأنه مطلع
على أقوال الأوربيين كافة.
(وسادسها) أن الشيخ رشيدا لا يعرف من لسان الأوربيين كلمة.
(وسابعها) أنه يعني بقوله: إن علماءنا يعتقدون أن أصول الشرائع كلها من
الله أنهم يقرون بأن الإنسان لم يوهب من العقل في مبدأ وجوده ما يكفي لإقامة
حياته، فكان الوحي الإلهي مرشده في كل أموره في بناء شريعته، وفي إقامة
صنائعه، وفي هدايته إلى وجوه معيشته، حتى تلقينه لغته.
(وثامنها) أن كلامه (في أصول الشرائع الأولى في عهد طفولية الإنسان،
لا في عهد شبوبيته أيام الرسل والأنبياء) .
(وتاسعها) أنه لو كان الشيخ رشيد يستطيع أن يطلع على تحقيقات العلماء في
شأن الإنسان في هذين العهدين، لحولته على كتب فلان وفلان، وختم الأجوبة بشيء
من الطعن والتضليل للشيخ رشيد.
وأقول: لا شيء من هذه الأجوبة في الموضوع إلا السابع والثامن. فأما السابع
فهو دعوى جديدة على علماء الإسلام، ليست من عقائده في شيء، وإن وجد شيء
من فروعها في مباحث بعضهم. فهم لا يعدون كون واضع اللغة هو الله على القول
به إنه من عقائد الدين، حتى يحتاج إلى أسلحة فريد أفندي التي يدعي أنها يسلح بها
حملة الدين، فإذا ثبت أن هذا القول خطأ، فهو لا يعد شبهة على الدين. فكيف
ندافع عن الدين بتكثير الشبهات عليه، ومحاولة الجواب عنها بما هو شر منها.
وأما الثامن فهو على كونه كما يقول علماء المناظرة من قبيل: (المراد لا
يدفع الإيراد) . لا يمكن حمل ما نسبه إلى اعتقاد علماء الإسلام عليه؛ لأنهم لم
يقولوا بأن لحياة البشر دور طفولية، ودور شبوبية ظهر فيه الرسل، حتى يحمل
كلامهم عليه. بل يقولون: إن أول البشر نبي مرسل. ومن بحث أمثال هذه
المباحث، كالأستاذ الإمام فقوله فيها لا شبهة عليه، ولا يحتاج هي إلى تأويلات
فريد أفندي وجدي، التي تحتاج إلى تأويل.
الانتقاد السابع
انتقدنا عليه إنكاره رسالة آدم عليه السلام، وكون الله - تعالى- أوحى إليه
كما أوحى إلى غيره من النبيين. فأجاب عن ذلك بكلم يؤخذ منه أجوبة:
(أحدها) أنه بخدمته للإسلام يعيد له سلطانه الأول.
(ثانيها) أن أحق الناس بالانتفاع بخدمته للدين الناشئة الجديدة العاملة في
الإدارة والسياسة والقضاء.
(ثالثها) أن الشيخ رشيدا لو كان قرأ كتابا واحدا في علم الفزيولوجيا لهكسلي أو
لداروين ... إلخ، وما فيها من الشبهات على نبوة آدم، علم أن المسألة تحتاج إلى
نظر، وإلا لنبذ أقوال أهل الشرع بنبوة آدم، أو لفظ قول الفزيولوجيين، وضرب
بتحقيقاتهم في الحفريات والعاديات عرض الحائط، وسهل للطائفة المتعلمة ترك
الدين.
(رابعها) أن قادة الدين يشكون من مروق المتعلمين، وما مروقهم إلا لعدم
وجود أحد من قادته يشاركهم في معلوماتهم.
(خامسها) أن إيراده تلك المسألة بعبارة لا تشعر بالجزم هو كالإعلام لهؤلاء
المارقين أو الشاكين في الدين، بأنه عالم بأقوال علماء الفزيولوجيا، وعامل على حلها
بما يوافق القرآن والعلم. وختم هذه الأجوبة بقوله: (فما يسميه الشيخ رشيد سقطة
كبيرة هو في الحقيقة نهضة كبيرة) .
أقول: الجواب الحقيقي من هذه الجمل التي لخصنا بها كلامه هو أنه لم يجد
سلاحا يدافع به عن اعتقاد المسلمين بنبوة آدم إلا التشكيك فيها. فهل سمع أحد من
البشر بأن التشكيك في الدين دفاع عنه؟ أليس الشك في الدين، كالإنكار لقضاياه
كلاهما كفر صريح؟ أبشرك يا فريد أفندي بأنني مطلع على مذهب داروين، وعالم
بأنه لا يمس الإسلام، وإذا أردت أن تفهم ما ورد في آدم مطابقا للعلم، فراجع
المنار مع بعض من يفهمه من أهل العلم؛ ليفهموك ما يحفظ به الدين، ثم ألقه في
مدرستك إن استطعت.
الانتقاد الثامن
انتقدنا عليه جعله تفضيل الشريعة الإسلامية على غيرها؛ مبنيا على قاعدة