على دائرة المعارف العربية وعلى المجلات العلمية، كالمقتطف، ومعظمها مترجم
عن أحسن المجلات والكتب الإفرنجية، وعلى الكتب الكثيرة المترجمة في مصر
وسوريا، ومنها في فلسفة التشريع كتاب بنتام وكتاب مونتسكيو؟ فهل كنت أوسع
علما وفهما في اللغات الإفرنجية من مؤلفي ومترجمي هذه الكتب والمجلات من
العلماء والدكاترة، وأنت لم تحصل من الإلمام باللغة الفرنسية وعلومها ما يرتقي بك
إلى شهادة البكلوريا التي يحملها الألوف من الأحداث في بلاد مصر وسوريا؟ فكيف
ساغ لك أن ترفع نفسك بقولك على جميع هؤلاء العلماء، وأنت تعلم أن أعراب
الأهرام وبحارة الإسكندرية، يعرفون من اللغات الإفرنجية ما لا تعرف، وما كل من
عرف لغة عرف علومها.
إنني ما وجهت إليك هذه التذكرة؛ إلا لأنك أفرطت جدا في التبجح بإلمامك
الضعيف باللغة الفرنسية، حتى جعلت نفسك في مرتبة الأستاذ الإمام زاعما أنه ما
كانت له تلك المكانة العليا في القلوب إلا باللغة الفرنسية التي تدعي أنك تساويه في
معرفتها، وتجرأت على كتابة ذلك، فلم تكتف بما ينقل عنك من ادعائه باللسان.
يوجد ألوف ممن أتقنوا هذه اللغة إتقانا لا تطمع بالدنو منه، ولم يخطر على
بال أحد منهم ولا من الناس، أنهم على مقربة من الأستاذ الإمام في الحكمة والعلم،
ولا في المزايا والأعمال، ولم يقل في أحد منهم علماء أوربا كالدكتور براون
الأستاذ المدرس في أعظم مدرسة جامعة في إنكلترا تفوق مدرسة العلوم الوجدية مثل
ما قالوا في الأستاذ الإمام، إذ قال هذا العلامة الإنكليزي: إنه لم ير مثله في الشرق
ولا في الغرب. بل كان للأستاذ الإمام من المكانة في الفلسفة والعلوم، والاستيلاء
على العقول والقلوب قبل أن يتعلم اللغة الفرنسية، ما يسهل عليك أن تعرف بعضه
من مراجعة تاريخه.
الانتقاد الأول وجوابه
أجاب فريد أفندي عن انتقادنا عليه، جعله المحدثين والفقهاء شارعين بقوله:
(ونحن نرد هذه السفسطة الغريبة بقولنا: إن لفظة المشرع والمتشرع
والشارع: كلمات تطلق اليوم على المشتغلين بالبحث في الشرائع، ولكل جيل
اصطلاحه، واللغة تابعة لأذواق أهلها في كل عصر) .
وهذا الجواب يدل على أنه لا يفهم المسائل الأولية البديهية من فلسفة
التشريع التي تصدر لتدريسها، فإنه لا يقول أحد من أهل العصر بأن الباحث في
الشرائع يسمى شارعا ومشرعا، وإنما يطلقون لفظ الشارع والمشترع على واضع
القانون برأيه وعلمه؛ إذ يسمون القانون شريعة، ولو كان كل باحث في الشرائع
شارعا، لكان جميع التلاميذ في مدرسة الحقوق شارعين. فليسأل فريد أفندي شقيقه
هل يطلق عليه وعلى إخوانه من الطلاب أو المتخرجين لقب الشارع أو المشرع؟
فإذا أجابه بالسلب فليترك تدريس فلسفة التشريع حتى يتعلم بعض اصطلاحاته
الأولية، ولو ممن يجهلون اللغة الفرنسية!!! على أن كلامنا كان في
الاصطلاحات الإسلامية الدينية، وليس لفريد أفندي أن يغيرها؛ تبعا
لعرف العصر، ومن هنا يعلم أنه لا وجه لقياس أحد من الصحابة والفقهاء على
النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسميته شارعا مثله؛ لأن ما جاء عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - ما كان يعرف من غيره، وهو مما يجب اتباعه
فيه، وليس لأحد غيره هذه المزية في الإسلام، فسقط الإلزام الذي وجهه إلينا
فريد أفندي؛ إذ قال بعد ما تقدم عنه:
وإذ صح تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - الشارع مع أنه ليس بواضع الشريعة، بل مفسرها ومبينها فقط، فلم لا يصح تسمية أصحابه متشرعين باعتبار
أنهم مبينوا الشريعة ومفسروها للناس.
فتأمل كيف جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة سواء، ونسي
أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مبلغ عن الله تعالى، على أن بعض العلماء صرحوا
بأن الله - تعالى - أذن له أن يشرع من قبل نفسه، واستدلوا بمثل حديث (إلا
الإذخر) ولا محل هنا لشرح ذلك.